معبر التوم يكشف هشاشة نفوذ حفتر في الجنوب الليبي
شهد الجنوب الليبي في 30–31 يناير 2026 تطورًا أمنيًا مهمًا تمثل في هجوم مجموعة مسلحة محلية أطلق عليهم السكان المحليون “ثوار الجنوب” على معبر التوم الحدودي الرابط بين ليبيا والنيجر، حيث أعلنت المجموعة أنها سيطرت على النقاط الحدودية وأسرَت أفرادًا من قوات خليفة حفتر، قبل أن تعلن قوات حفتر لاحقًا أنها استعادت السيطرة على المعبر بعد ساعات من الاشتباكات.
ويظهر عبر منشورات وفيديوهات منتشرة على وسائل التواصل اليوم وجود اشتباكات بين المسلحين المحليين وقوات حفتر بمدينة القطرون ومحيط المعبر، بينما تصف المجموعة المهاجمة عملها بأنه جزء من احتجاجات على الأوضاع المعيشية وسوء الخدمات في الجنوب، بما في ذلك اتهامات بتهريب الوقود إلى الخارج منها لصالح قوات الدعم السريع السودانية واستئثار الميليشيات ببعض الموارد، وهو ما جعل الحادثة تأخذ طابعًا محليًا مرتبطًا بملف الاحتجاجات والضغط على الأطراف المسلحة.
ومع ذلك، أفادت بيانات رسمية لاحقة مع انخفاض تغطية المصادر المفتوحة بأن الجيش الوطني الليبي (المرتبط بقيادة حفتر شرقًا) أعلن عبر بيانات إعلامه أنه أعاد السيطرة على معبر التوم بالكامل، وأن الهجوم قد تم صدّه، مع تأكيد أن عناصر المهاجمين فرّوا باتجاه الصحراء وأن قوات الجيش تقوم بعمليات تمشيط لضمان أمن الحدود ومنع أي خروقات أمنية إضافية.
ويقع معبر التوم على الحدود الليبية–النيجرية جنوب مدينة مرزق، ويمكن أن يكون هدفًا استراتيجيًا بسبب ما يربطه بأنشطة التهريب والحركة عبر الصحراء والروابط مع دول الجوار؛ وهذا ما أكده مراقبون من مصادر محلية بكون المنطقة من أكثر نقاط التوتر لاعتبارها ممراً مهمًا للمهاجرين غير النظاميين والسلع، فضلًا عن ارتباط ملفه بالأوضاع الأمنية والاقتصادية في الجنوب البعيد عن المركز الليبي.
تعكس السيطرة المؤقتة على معبر التوم هشاشة البنية الأمنية لقوات خليفة حفتر في الجنوب الليبي، حيث تظل المناطق الحدودية خاضعة لتوازنات قبلية ومصلحية متغيرة أكثر من خضوعها لسلطة عسكرية مركزية مستقرة. وتشير الحادثة إلى أن الجنوب ما يزال ساحة لصراعات غير مؤدلجة، تحرّكها شبكات التهريب والاحتقان الاجتماعي والتنافس على الموارد، في ظل غياب مشروع سياسي واضح، ما يزيد من تعقيد مسألة فرض الأمن وضبط الحدود.
ويهدف تداول مشاهد الأسر والسيطرة في الفضاء الإعلامي إلى تقويض صورة الردع التي تحاول قوات حفتر ترسيخها، وإيصال رسالة رمزية مفادها أن نفوذ الشرق لا يحظى بقبول محلي راسخ في عمق الجنوب. كما تعكس الاتهامات المتعلقة بتهريب الوقود والسلاح مدى تشابك الاقتصاد غير المشروع مع الصراع العسكري، حيث تتحول المعابر الحدودية إلى أدوات تمويل وإعادة إنتاج توازنات القوة، بدل أن تكون نقاط سيادة وطنية فاعلة.
وتكشف سرعة إعلان حفتر استعادة السيطرة عن الحساسية العالية التي تحتلها المعابر الحدودية في الخطاب العسكري، حتى في ظل بقاء السيطرة الميدانية الفعلية عرضة للاهتزاز بفعل الطبيعة الصحراوية واتساع نفوذ الفاعلين المحليين. ويبرز البعد الإقليمي للحادثة بوضوح، إذ يشكل الجنوب الليبي نقطة وصل بين ليبيا والنيجر والسودان وتشاد، ما يجعل أي اختلال أمني قابلًا للامتداد إقليميًا عبر شبكات السلاح والمقاتلين.
في المحصلة، تبرز هذه التطورات فشل المقاربة العسكرية الصرفة في إدارة الجنوب، وتؤكد أن غياب تسوية سياسية شاملة يفتح المجال أمام تكرار سيناريوهات السيطرة المؤقتة والانسحاب السريع. كما يعكس تصاعد الخطاب العدائي تجاه الداعمين الإقليميين لحفتر انتقال الصراع من مستواه المحلي إلى سردية سياسية أوسع، تُستثمر فيها الحوادث الميدانية لتغذية الاستقطاب الداخلي والخارجي.




