موريتانيا تتحرك بهدوء لتحصين الجبهة الداخلية تحسّبًا لارتدادات الساحل
شهدت موريتانيا تحركات لنشاط سياسي–أمني هادئ تمثّل في مشاورات جرت بين دوائر رسمية عليا وفاعلين سياسيين مؤثرين حول مخرجات وشروط الحوار الوطني المرتقب، بالتوازي مع رفع مستوى اليقظة الأمنية على الحدود الشرقية والشمالية، هذه التحركات عكست توجّهًا استباقيًا لتحصين الجبهة الداخلية قبل أي ارتدادات محتملة من محيط الساحل المضطرب.
المشاورات شملت ممثلين عن أحزاب موالية ومعارضة معتدلة وشخصيات قبلية وبرلمانية، وجرى تداولها في دوائر ضيقة بإشراف غير مباشر من رئاسة الجمهورية، في سياق يسعى إلى ضبط سقف الحوار ومنع تحوّله إلى منصة تصعيد سياسي، مصادر سياسية محلية تشير إلى أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يدفع نحو حوار مضبوط الإيقاع يركّز على الإصلاحات المؤسسية والاستقرار، دون فتح ملفات قد تُربك التوازنات القائمة.
بالتوازي، كثّفت الأجهزة الأمنية مراقبتها لأي نشاط غير اعتيادي على صلة بامتدادات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية في مالي وبوركينا فاسو، ووجود مخاوف من تسلل شبكات تهريب أو خلايا نائمة، هذه المقاربة الأمنية لم تُعلن رسميًا، لكنها ظهرت عبر تعزيز التنسيق بين الجيش والدرك والحرس الوطني في ولايات الحوضين و لعصابة.
حيث يُنظر إلى هذا المسار كرسالة مزدوجة؛ طمأنة الداخل بأن الدولة منفتحة على الحوار، وطمأنة الشركاء الإقليميين والدوليين بأن نواكشوط ماضية في سياسة الوقاية لا ردّ الفعل، المحلل الموريتاني محمد محمود ولد أبي، في تعليق غير رسمي متداول في أوساط بحثية، اعتبر أن “السلطة تسعى لقطع الطريق أمام أي تسييس للأزمة الإقليمية داخل موريتانيا عبر الجمع بين الاحتواء السياسي والضبط الأمني الهادئ”.
النتائج الأولية لهذا النهج تمثلت في خفض منسوب التوتر السياسي، وغياب أي تحركات احتجاجية ذات طابع أمني، مع بقاء المشهد تحت السيطرة، غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطًا بمدى قدرة الحوار الوطني على إنتاج توافقات حقيقية، وباستمرار التوازن الدقيق بين الانفتاح السياسي والحزم الأمني في بيئة إقليمية شديدة السيولة.
الوقاية السياسية أقل كلفة من العلاج الأمني
التحرك الموريتاني يعكس عقلية دولة استباقية خبرت عدوى الفوضى في الساحل، وتدرك أن الوقاية السياسية أقل كلفة من المعالجة الأمنية المتأخرة، لذا جرى تفعيل مسارين متوازيين دون ضجيج إعلامي.
اختيار الحوار الوطني كأداة تحصين لا كاستجابة لأزمة، يؤشر إلى رغبة السلطة في تفريغ التوتر قبل تشكّله، وضبط المعارضة داخل أطر مؤسسية بدل تركها عرضة للتطرف أو الاستقطاب الخارجي.
كما تدل إدارة المشاورات في دوائر ضيقة على حساسية المرحلة، ففتح النقاش علنًا قد يوسّع سقف المطالب ويخلخل التوازنات القبلية والسياسية الدقيقة التي يقوم عليها الاستقرار الموريتاني. ويظهر البعد الأمني غير المعلن، أن هدفه منع اختراقات من فضاء الساحل المنفلت، حيث تتحرك جماعات مسلحة وشبكات تهريب قادرة على استثمار أي رخاوة داخلية.
ويعكس الربط بين الداخل الموريتاني ومحيطه الإقليمي قراءة استراتيجية تعتبر أن التهديدات لم تعد حدودية، بل شبكية وعابرة للدول، ما يفرض يقظة استخباراتية دائمة لا موسمية.
في سياق متصل، الرئيس غزواني يراكم شرعيته على صورة “رجل الاستقرار الهادئ”، ويحرص على عدم تكرار سيناريوهات الجوار، مستفيدًا من توازن علاقاته مع المؤسسة العسكرية والنخب المدنية. ويظهر أن المعارضة المعتدلة تبدو مستوعبة لخطورة اللحظة، لذلك فضّلت الانخراط الحذر بدل التصعيد، إدراكًا بأن أي انفلات قد يُفقدها هامش الحركة ويعيد ترجيح الكفة الأمنية.
المقاربة الحالية توصل رسالة خارجية مهمة مفادها أن موريتانيا ما تزال نقطة توازن في الساحل، قادرة على حماية نفسها دون الارتهان لوصاية أمنية أو تدخلات مباشرة. والخطر الحقيقي لا يكمن في الحراك السياسي المنضبط، بل في العوامل الاقتصادية والاجتماعية الكامنة، التي إن لم تُدمج ضمن مخرجات الحوار، قد تتحول لاحقًا إلى ضغط أمني مؤجل.




