شؤون تحليلية عربية

السلطات التونسية تعتمد تشديدًا أمنيًا وقائيًا إزاء تحركات شبابية في المدن الداخلية

شهدت العديد من المدن في تونس في الأيام الماضية، تعزيزات ضخمة للأجهزة الأمنية بهدف تفعيل إجراءات رقابية مشددة شملت تحركات مجموعات شبابية احتجاجية في عدد من المدن الداخلية، مع تنفيذ استدعاءات للتحقيق ومتابعة لأنشطة ميدانية ورقمية، دون صدور إعلان رسمي يوضح نطاق هذه الإجراءات أو خلفياتها القانونية.

تفيد معطيات متقاطعة من ناشطين محليين بأن الرقابة طالت مجموعات غير مُقنّنة لا تحمل مسميات تنظيمية واضحة، تتحرك أساسًا حول مطالب اجتماعية واقتصادية مثل التشغيل والتنمية المحلية ومناهضة التهميش، هذه المجموعات تعتمد على تنسيق مرن عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يصعّب رصدها ككيانات منظمة تقليدية.

بحسب مصادر متابعة للشأن الأمني، ركزت التحقيقات على شبهات تنسيق غير مرخّص بين مجموعات في ولايات مختلفة، مع استخدام قنوات رقمية مغلقة لتوحيد التوقيت والخطاب الاحتجاجي، ولم تُعلن السلطات عن أسماء قيادات محددة أو هياكل تنظيمية، ما يعزز تقدير الطابع اللامركزي لهذه التحركات.

وغرد محللون تونسيون في قضايا الأمن الاجتماعي على وسائل التواصل الاجتماعي من بينهم باحثون مستقلون في مراكز دراسات محلية، أن هذا التطور يعكس انتقالًا واضحًا من سياسة الاحتواء السياسي والاجتماعي إلى مقاربة أمنية وقائية، هدفها منع تحوّل الاحتجاجات المطلبية إلى شبكات ضغط منظمة قد تُستثمر سياسيًا أو تنزلق إلى مسارات تصعيدية.

النتائج الأولية تمثلت في تراجع نسبي للظهور الميداني لهذه التحركات مقابل انتقال جزء من النشاط إلى الفضاء الرقمي، مع بقاء حالة الاحتقان الاجتماعي قائمة، هذا المسار يشير إلى أن الدولة تفضّل الضبط الاستباقي للمشهد بدل التعامل مع موجات احتجاج واسعة، في ظل حساسية المرحلة الداخلية وهشاشة التوازنات الاجتماعية.

المقاربة الأمنية الوقائية وتحوّلات الاحتجاج الاجتماعي

يُظهر التحول إلى المقاربة الأمنية الوقائية قناعة لدى الدولة بأن الاحتجاجات المطلبية لم تعد عفوية بالكامل، بل بات يُنظر إليها كبيئة قابلة للاختراق والتنظيم، خاصة في ظل تراجع القنوات السياسية الوسيطة وضعف الثقة بين الشباب والمؤسسات الرسمية. كما أن غياب المسميات والتنظيمات الواضحة لا يقلل من خطورة هذه التحركات، بل يزيدها تعقيدًا، إذ تجعل اللامركزية السيطرة الأمنية أكثر صعوبة، وتمنح هذه التحركات مرونة عالية في إعادة الانتشار والتكيّف مع الضغط الأمني.

ويعكس اختيار المدن الداخلية كمسرح أساسي للتوتر أن جذور الأزمة اجتماعية-اقتصادية بالأساس، وأن المعالجة الأمنية وحدها لن تنهي أسباب الغضب، بل قد تؤجل انفجاره أو تغيّر شكله فقط.

كما أن الانتقال من الاحتواء إلى الوقاية يعكس خشية السلطة من تكرار سيناريوهات سابقة تحولت فيها مطالب اجتماعية محدودة إلى موجات سياسية أوسع هددت الاستقرار العام وأربكت القرار المركزي. ويشير التركيز على التنسيق الرقمي إلى إدراك أمني متقدم بأن الفضاء الافتراضي أصبح بديلاً عن التنظيم التقليدي، وأن السيطرة على الشارع تمر اليوم عبر مراقبة شبكات الاتصال والخطاب، لا الساحات فقط.
عدم الإعلان عن قيادات أو أسماء يعكس حرصًا رسميًا على تجنب صناعة رموز احتجاجية قد تتحول إلى نقاط جذب، وهو أسلوب يُستخدم لتفريغ الحراك من البعد القيادي والسياسي.

وتحمل هذه المقاربة مخاطرة مزدوجة؛ فنجاحها أمنيًا على المدى القصير قد يقابله تراكم احتقان صامت يظهر لاحقًا بشكل أكثر حدّة أو في لحظة سياسية غير محسوبة. سياسيًا، يعكس المشهد هشاشة العلاقة بين الدولة والشباب، حيث لم تعد الوعود أو الخطابات الإصلاحية كافية لاحتواء الغضب، ما يدفع السلطة إلى الاعتماد المتزايد على أدوات الضبط بدل الشراكة.

استمرار هذا المسار دون فتح قنوات اجتماعية حقيقية قد يدفع التحركات من الاحتجاج العلني إلى أشكال أكثر خفاءً وتنظيمًا، وهو ما يرفع كلفة المواجهة لاحقًا أمنيًا وسياسيًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى