ضمن إجراءات أمنية استباقية.. نواكشوط تشدّد حضورها الأمني في الأحياء الطرفية لمراقبة أنشطة الجمعيات
أفادت معلومات ميدانية ومصادر محلية حصلت عليها بوليتكال كيز | Political Keys، أن السلطات الموريتانية كثفت خلال الأيام الماضية انتشارها الأمني في عدد من الأحياء الطرفية للعاصمة نواكشوط، حيث شوهدت دوريات تابعة لقوات الأمن والشرطة، مدعومة بعناصر بزي مدني، تقوم بعمليات تمشيط ومراقبة ميدانية في مناطق تُصنَّف أمنيًا على أنها حسّاسة أو ذات كثافة سكانية مرتفعة، ويأتي هذا التحرك في سياق إجراءات احترازية غير معلنة رسميًا، تهدف إلى منع أي اختراق أمني محتمل أو تحركات غير مرخّصة قد تهدد الاستقرار الداخلي.
ووفق نفس المصادر، تزامن الانتشار الأمني مع تكثيف الرقابة على أنشطة عدد من الجمعيات الخيرية والاجتماعية، إلى جانب شخصيات يُشتبه في انخراطها في أنشطة تنظيمية أو تعبئة خارج الأطر القانونية المعتمدة. وتشمل هذه المراقبة تتبع الاجتماعات غير المعلنة، ورصد التحركات الميدانية، إضافة إلى مراجعة مصادر التمويل والاتصالات، في إطار مقاربة أمنية وقائية تعتمد على الرصد المسبق بدل التدخل المتأخر.
وأكدت مصادر قريبة من الملف أن هذه الإجراءات جاءت بعد تقارير أمنية حذّرت من محاولات استغلال بعض الفضاءات الاجتماعية والدينية لإعادة تنشيط شبكات ضغط أو تعبئة سياسية غير مرخّصة، مستفيدة من الأوضاع الإقليمية المتوترة في منطقة الساحل، وترى الأجهزة الأمنية أن منع تشكّل بؤر تنظيمية في محيط العاصمة يُعد أولوية قصوى للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع انتقال عدوى عدم الاستقرار من دول الجوار.
وبخصوص الاعتقالات أو الاحتجاجات، أشارت المصادر المحلية إلى تسجيل استدعاءات أمنية محدودة خلال اليومين الماضيين شملت أفرادًا مرتبطين بأنشطة جمعوية قيد المراقبة، وذلك في إطار التحقيق وجمع المعلومات، دون الإعلان عن توقيفات جماعية واسعة حتى الآن، كما لم تُسجَّل احتجاجات علنية كبيرة، غير أن بعض المحاولات الفردية للتجمّع أو عقد لقاءات غير مرخّصة جرى تفريقها بشكل هادئ قبل تطورها إلى تحركات ميدانية أوسع.
ويعكس هذا التطور توجّه السلطات الموريتانية نحو تشديد الرقابة الاستباقية في محيط العاصمة، في محاولة لضبط المجال العام ومنع أي نشاط يُنظر إليه كتهديد محتمل للأمن أو كخرق للقوانين المنظمة للعمل الجمعوي والسياسي، ويأتي ذلك في سياق أوسع تسعى فيه نواكشوط إلى تحصين الداخل الوطني من تداعيات التوترات الإقليمية وتصاعد نشاط الجماعات غير النظامية في دول الساحل المجاورة، مع الحفاظ – بحسب الخطاب الرسمي – على حدّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي والأمني.
يعكس الانتشار الأمني في أطراف نواكشوط تحوّل الدولة من منطق الردّ إلى منطق الوقاية، في مؤشر على أن الأجهزة باتت تتعامل مع التهديدات المحتملة بوصفها خطرًا بنيويًا طويل الأمد، لا حوادث معزولة قابلة للاحتواء السريع. ويأتي تركيز هذه التحركات على الأحياء الطرفية استنادًا إلى قراءة أمنية تعتبرها أكثر قابلية للاختراق التنظيمي والاجتماعي، بفعل الهشاشة الاقتصادية وضعف الخدمات، ما يجعلها بيئة خصبة للتجنيد أو التعبئة غير المرخّصة.
في هذا السياق، تشير مراقبة جمعيات وشخصيات بعينها إلى أن الدولة لا تحصر تقديرها للخطر في الاحتجاجات العلنية، بل تضع في الحسبان البُنى التنظيمية الهادئة التي تعمل تحت أغطية اجتماعية أو خيرية، وتراكم نفوذها بعيدًا عن الرقابة المؤسسية. ويعزز غياب الإعلان الرسمي عن هذه الإجراءات مقاربة “الأمن الصامت”، حيث تفضّل السلطات خفض منسوب الضجيج الإعلامي تفاديًا لإثارة الرأي العام أو دفع الأطراف المستهدفة إلى تسريع تحركاتها أو الانتقال إلى أنماط عمل أكثر سرية.
كما توحي الاستدعاءات الأمنية المحدودة، بدل اللجوء إلى اعتقالات جماعية، بأن الهدف في هذه المرحلة ينصبّ على جمع المعلومات وبناء قاعدة بيانات دقيقة، لا على المواجهة المباشرة، ما يدل على أن الملف لا يزال في طور التقييم أكثر منه في مرحلة الحسم. ويتقاطع هذا النهج مع السياق الإقليمي، خصوصًا انفلات الأوضاع في منطقة الساحل، حيث تخشى نواكشوط من تسلل أنماط تنظيمية أو أمنية عابرة للحدود تستثمر في الفراغات الاجتماعية داخل المدن الكبرى.
ورغم أن هذا النهج الأمني قد يحقق قدرًا من الاستقرار على المدى القصير، فإنه ينطوي على مخاطر سياسية إذا لم يُواكب بضمانات قانونية واضحة، إذ قد يُفسَّر التوسع في المراقبة كضغط على العمل المدني المشروع، بما يولّد توترات كامنة. ويتمثل التحدي الأساسي أمام الدولة في تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي ومنع الانزلاق نحو تضييق مفرط على المجال العام، وهو توازن غالبًا ما يحدد شكل العلاقة المستقبلية بين السلطة والمجتمع.
وفي حال استمرت هذه الإجراءات من دون مسار تواصلي أو قانوني موازٍ، فقد تتحول السياسة الوقائية إلى عامل لإعادة إنتاج الشك وعدم الثقة، بما يمنح بعض الأطراف ذريعة لتقديم نفسها كـ«ضحايا تضييق» بدل فاعلين خاضعين للقانون. وفي المجمل، تعكس التطورات الجارية في نواكشوط دولة حذِرة لا مضطربة، تدرك أن الوقاية الأمنية وحدها لا تكفي، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب مقاربة اجتماعية وسياسية موازية تحول دون تحوّل الهامش إلى مركز تهديد مستقبلي.




