نواكشوط تحتضن ندوة إقليمية لتوسيع التغطية الاجتماعية الرقمية في شمال إفريقيا
انطلقت في نواكشوط أعمال الندوة التقنية الموضوعية التي حملت عنوان “توسيع نطاق التغطية الاجتماعية عبر الامتثال والرقمنة في شمال أفريقيا”، ونظّمها الاتحاد الدولي للضمان الاجتماعي (ISSA) بالتعاون مع السلطات الموريتانية.
المشاركون في الندوة
قد حضر الفعالية دول شمال إفريقيا (مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب) والدول الناطقة بالفرنسية بالإضافة لمسؤولين حكوميين، ومديرو مؤسسات الضمان الاجتماعي، وخبراء رقميون، وممثلو منظمات دولية وإقليمية، سعياً إلى بلورة حلول تقنية وسياساتية لتعزيز شمول منظومات الحماية الاجتماعية في المنطقة.
وأعلنت وسائل إعلام رسمية محلية عن مشاركة وزيرة الوظيفة العمومية والعمل والشؤون الاجتماعية، وقيادات وطنية معنية بالتحول الرقمي، كما استقبلت الندوة وفودًا من منظمات مانحة ومؤسسات دولية ناقشت مساهماتها في مشاريع تقوية الحماية الاجتماعية.
محاور الندوة
ركزت الجلسات على ثلاث محاور عملية: الامتثال القانوني والإداري كشرط لتوسيع التغطية، التحوّل الرقمي لأنظمة التسجيل والمدفوعات وخدمات المستفيدين، والربط بين قواعد البيانات الوطنية لتحسين استهداف الفئات الضعيفة.
وقدم المشاركون تجارب إقليمية (بما في ذلك خطوات موريتانيا في تحديث قواعد بيانات المستفيدين) وعروضاً تقنية لآليات التحقق الرقمي، بالإضافة إلى نقاشات حول حماية الخصوصية وأمن البيانات وكيفية تمويل مشاريع الرقمنة في بلدان منخفضة الدخل.
وذكرت تقارير أن الملتقى سيسهم في إعداد خارطة طريق إقليمية تُسهِم في تبنّي حلول رقمية قابلة للتعميم، وتحسين قدرة الإدارات على الامتثال للمعايير وتوسيع شمولية التغطية.
تناولت الورش التقنية أيضاً قضايا تنفيذية مثل الربط بين أنظمة الضمان وقاعدة بيانات الأجور، آليات دفع رقمية آمنة للمستفيدين، ونماذج لإدماج العمال المستقلين والاقتصاد غير الرسمي ضمن منظومات الحماية، وأكد خبراء أن نجاح الرقمنة رهن بتأمين بنية تحتية رقمية، تدريب إدارات الضمان، وضمان تمويل مستدام لهذه التحولات إلى جانب أطر تشريعية واضحة للحصول على قبول شعبي وحماية الحقوق.
توصيات الندوة
في الختام، خرجت الندوة بتوصيات عامة لدول المنطقة: تكثيف تبادل الخبرات التقنية، إطلاق برامج تجريبية للربط الرقمي بين قواعد البيانات، تعزيز قدرات الامتثال والحوكمة في مؤسسات الضمان، وتنسيق مع الجهات المانحة لدعم مشاريع التحول الرقمي.
وأكد منظمو الندوة أن نواكشوط تسعى عبر هذا الحدث إلى أن تكون مركزًا إقليمياً لتعزيز شمول الحماية الاجتماعية بالحلول الرقمية، في سياق جهود موريتانيا لتحسين الأداء الحكومي والرفاه الاجتماعي.
دلالات الحدث
حضور المانحين والمنظمات الدولية يبرز البعد الجيوسياسي للملف، حيث تُستخدم مشاريع الحماية الاجتماعية كمدخل لتعزيز الاستقرار ومنع الهشاشة، مقابل التزام الدول بإصلاحات إدارية وتشريعية طويلة الأمد.
وتعكس الندوة تحوّل التغطية الاجتماعية في موريتانيا من مقاربة رعوية تقليدية إلى رؤية مؤسساتية حديثة، تُراهن على الرقمنة كأداة سياسية-اقتصادية لتعزيز شرعية الدولة وتحسين قدرتها على الوصول إلى الفئات الهشة خارج الاقتصاد الرسمي.
اختيار نواكشوط لاستضافة الفعالية يندرج ضمن سعي موريتانيا للتموضع كفاعل إقليمي في إصلاح نظم الحماية الاجتماعية، مستفيدة من الاستقرار النسبي مقارنة بجوارها، ومن رغبة الشركاء الدوليين في دعم نماذج قابلة للتعميم في الساحل.
الرقمنة في هذا السياق ليست تقنية فقط، بل أداة حوكمة، إذ تُمكّن الدولة من ضبط قواعد البيانات، تقليص الهدر، ومواجهة الفساد الإداري، ما ينعكس مباشرة على كفاءة الإنفاق الاجتماعي في ظل موارد مالية محدودة.
ويكشف التركيز على الامتثال إدراكًا رسميًا بأن توسيع التغطية لا ينجح دون إصلاح العلاقة بين الدولة والمواطن، خصوصًا العمال في القطاع غير المنظم، عبر إدماجهم تدريجيًا في منظومة الحقوق والواجبات.
تشكّل الندوة رسالة سياسية لطمأنة الشركاء الدوليين بأن موريتانيا منخرطة في إصلاحات هيكلية طويلة الأمد، ما يعزز فرص التمويل والدعم، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية إقليميًا.
غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى رهينًا بتحديات التنفيذ، وعلى رأسها البنية التحتية الرقمية، القدرات الإدارية، وحماية البيانات، إذ إن أي إخفاق قد يحوّل الرقمنة من أداة إدماج إلى عامل إقصاء جديد.




