اعتقالات تعسفية لمواطنين أكراد في مدن مختلفة بإيران
أفادت مصادر حقوقية باعتقال ما لا يقل عن 17 مواطنًا كرديًا، خلال الأيام الماضية، في مدن: آبدانان، وأشنويه، وبوكان، وبيرانشهر، ومياندواب على يد قوات الأمن الإيرانية.
تفاصيل الاعتقالات
وأفاد منظمة “كردبا”، المعنية بحقوق الإنسان، بأن قوات الأمن اعتقلت، فجر الجمعة 18 كانون الأول/ ديسمبر، اثنين من سكان “بوكان”، وثلاثة من سكان “مياندواب”، بشكل عنيف وبدون أمر قضائي، ونقلتهم إلى مكان مجهول.
وفي 16 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، اعتُقل مواطنان من بوكان، بالإضافة إلى مواطن من آبدانان، بينما أُفرج عن الأخير بعد يوم واحد من الاحتجاز، دون توضيح أسباب الاعتقال أو مكان احتجاز الآخرين، وقبلها بيوم حدثت اعتقالات بحق مواطنين أكراد أيضا.
ومنذ تأسيس النظام الإيراني، بات اعتقال المحتجين والنشطاء المدنيين والسياسيين أحد أعمدة القمع الداخلي.
ومنذ اندلاع احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في أيلول/ سبتمبر 2022، تزايدت العمليات الأمنية ضد المحتجين والنشطاء، وما زال هذا النهج مستمرًا.
ويُشار إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد صوّتت، يوم الجمعة 19 كانون الأول/ ديسمبر، على قرار سنوي حول وضع حقوق الإنسان في إيران بأغلبية 78 صوتًا مؤيدًا، و27 صوتًا معارضًا، و64 ممتنعًا، واشتمل القرار هذا العام لأول مرة على الإشارة إلى “القمع عبر الحدود”.
سياق الاعتقالات ودلالاتها
تأتي الاعتقالات الأخيرة بحق مواطنين أكراد في عدد من المدن الإيرانية ضمن سياق أمني ممتد، يعكس طبيعة العلاقة المتوترة تاريخيًا بين الدولة الإيرانية والمناطق ذات الغالبية الكردية.
فهذه المناطق تُعد، في نظر المؤسسة الأمنية، فضاءات “قابلة للاحتجاج” بحكم تراكم المظلومية السياسية والاقتصادية، ما يجعلها هدفًا دائمًا لإجراءات استباقية تهدف إلى منع أي حراك محتمل قبل تشكّله.
ويكتسب الطابع العنيف للاعتقالات، إلى جانب تنفيذها دون أوامر قضائية ونقل المعتقلين إلى أماكن مجهولة، دلالة واضحة على تغليب المنطق الأمني على القانوني، فغياب الشفافية لا يهدف فقط إلى تسهيل السيطرة الأمنية، بل يسعى أيضًا إلى خلق حالة من الخوف الجماعي وعدم اليقين داخل المجتمع المحلي، بحيث يصبح الاعتقال احتمالًا دائمًا يطال أي فرد، بغضّ النظر عن نشاطه الفعلي.
كما أن توزيع الاعتقالات على عدة مدن كردية متقاربة جغرافيًا يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بحوادث منفصلة، بل بعملية أمنية منظمة ذات بعد إقليمي، هذا النمط يوحي بوجود تقييم أمني يعتبر المنطقة بأكملها ساحة توتر، وليس مجرد بؤر محددة، وهو ما يعزز سياسة العقاب الجماعي غير المعلن بدل المعالجة الفردية القانونية.
من جهة أخرى، فإن استمرار هذه السياسات بعد مرور أكثر من عامين على احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” يدل على أن النظام الإيراني تعامل مع تلك الاحتجاجات بوصفها تهديدًا بنيويًا طويل الأمد، لا موجة عابرة.
لذلك، تحوّل القمع من رد فعل ظرفي إلى استراتيجية ثابتة لإعادة ضبط المجال العام، خاصة في المناطق القومية غير الفارسية التي يُنظر إليها تقليديًا بعين الشك.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن وضع حقوق الإنسان في إيران أهمية إضافية، لا سيما مع إدراجه لأول مرة لمفهوم “القمع عبر الحدود”.
فهذه الإشارة تعكس توسع دائرة القلق الدولي من السلوك الإيراني، وتؤكد أن الانتهاكات لم تعد تُقرأ كملف داخلي صرف، بل كجزء من نمط أوسع له تبعات إقليمية ودولية، حتى وإن ظل القرار غير ملزم قانونيًا.
في المحصلة، تكشف هذه الاعتقالات عن معادلة مأزومة: سلطة تعتمد على القبضة الأمنية للحفاظ على الاستقرار، مقابل مجتمعات محلية تعيش حالة استنزاف نفسي وسياسي مستمر.
وبينما ينجح هذا النهج مؤقتًا في كبح الاحتجاج العلني، فإنه يراكم في العمق أسباب التوتر والانفجار المؤجل، في ظل غياب أي أفق للإصلاح أو المساءلة الحقيقية.




