شؤون تحليلية عربية

العراق يتهيأ للانتخابات العامة وسط تجاذبات داخلية وإقليمية

في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط خصوصًا بعد التصعيد الإقليمي بين إيران وإسرائيل وتزايد الضغوط الأمريكية على وكلاء طهران في المنطقة، يجد العراق نفسه في قلب معادلة حسّاسة بين محاور متناقضة، ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقرّرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدأت القوى السياسية العراقية تعيد رسم مواقفها العلنية من العلاقات الخارجية، محاولة الموازنة بين الرأي العام المحلي وبين النفوذ الإقليمي.

في هذا السياق، تصاعدت الخطابات الانتخابية التي تستخدم موضوع العلاقات مع إسرائيل وإيران كورقة ضغط سياسية وإعلامية، حيث اتهمت بعض الأحزاب منافسيها بـ”التطبيع الخفي” مع إسرائيل، بينما لجأت أحزاب أخرى إلى إبراز ولائها “الوطني المستقل” لتجنّب وصمها بالانحياز لأي محور خارجي.

هذا المشهد يعكس مرحلة دقيقة في السياسة العراقية، حيث تحاول الحكومة برئاسة محمد شياع السوداني الحفاظ على الاستقرار الداخلي والتوازن بين القوى الدولية والإقليمية، وسط مخاوف من أن تؤدي الحملات الانتخابية إلى استقطاب حاد يعيد الانقسام إلى الساحة السياسية.

السياق العام

يأتي هذا في مرحلة شديدة الحساسية من المشهد العراقي، حيث تستعد البلاد لانتخابات برلمانية مصيرية وسط تراجع الثقة الشعبية بالأحزاب التقليدية وازدياد الدعوات إلى “إصلاح النظام السياسي” الذي تأسس بعد 2003.

أما إقليميًا، فيتزامن ذلك مع تصعيد خطير بين إيران وإسرائيل، انعكس بشكل غير مباشر على العراق من خلال نشاطات الحشد الشعبي، والضربات الإسرائيلية المحدودة داخل الأراضي السورية والعراقية، و تحاول حكومة “محمد شياع السوداني” الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف — واشنطن، طهران، ودول الخليج — دون أن تخسر دعم أي محور بشكل كامل.
الأهمية السياسية:

الانتخابات كاختبار سيادي

يعكس الخطاب الانتخابي حول العلاقة مع إيران وإسرائيل مدى انقسام النخب العراقية بين تيارين: تيار يدعو إلى الانفتاح الخارجي وضبط نفوذ إيران، وتيار آخر يرى أن إيران ضمانة للأمن والسياسة الشيعية، وهذه المعادلة تجعل الانتخابات القادمة استفتاءً على هوية العراق الإقليمية.

تغيير في المزاج الشعبي

المزاج العام في العراق بدأ يميل نحو الخط الوطني المعتدل، ما أجبر الأحزاب التقليدية على تخفيف خطابها المذهبي أو الإقليمي، والتركيز على الشعارات الخدمية والسيادية.

تحدي الحكومة الحالية

"السوداني" يسير على خيط دقيق بين القوى الموالية لإيران وتلك القريبة من الغرب. أي انحياز واضح قد يشعل أزمة سياسية أو يفتح الباب أمام احتجاجات جديدة شبيهة بحراك تشرين 2019.

نتائج الانتخابات العراقية لن تؤثر فقط على الداخل، بل ستحدد شكل العلاقة المقبلة بين بغداد وطهران، وقد تؤثر أيضًا على ملفات الأمن الإقليمي، خصوصًا في ظل التوتر الإيراني-الإسرائيلي.

تُظهر التطورات الأخيرة أن العراق يتجه نحو مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي الحديث، حيث لم تعد المنافسة الانتخابية تدور فقط حول الخدمات أو التحالفات الداخلية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بموقع العراق من الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل، وبمستوى استقلال قراره السيادي

توازن هش ومناورة دقيقة

تحاول الحكومة العراقية، بقيادة “محمد شياع السوداني” أن تحافظ على التوازن بين القوى المتعارضة داخليًا وخارجيًا.

فالسوداني يسعى إلى تقديم نفسه كـ“رجل دولة براغماتي” قادر على حفظ علاقات متوازنة مع طهران وواشنطن، وفي الوقت نفسه طمأنة الشارع العراقي الذي بات أكثر حساسية تجاه أي تبعية خارجية.

لكن هذا التوازن هش جدًا؛ أي انزلاق نحو محور معين قد يؤدي إلى تصدع التحالفات الداخلية، خصوصًا داخل البيت الشيعي، ويهدد استقرار حكومته.

ملامح إعادة تشكيل الخريطة السياسية

الانتخابات القادمة مرشحة لأن تُحدث إعادة توزيع للأوزان السياسية، حيث أن الفصائل الموالية لإيران ستخسر بعض نفوذها الشعبي، نتيجة إرهاق الجمهور من الخطاب الأيديولوجي والتبعية الإقليمية.

أما القوى المدنية أو الوطنية المستقلة فقد تحقق مكاسب محدودة لكنها رمزية، تُعبّر عن اتجاه جديد في الرأي العام.

في حين أن الأحزاب الكردية والسنية ستلعب دور “بيضة القبان” في رسم التحالفات المقبلة بعد الانتخابات.

التأثير الإقليمي المحتمل

نتائج الانتخابات العراقية لن تبقى محصورة داخل الحدود، بل ستؤثر على معادلات النفوذ الإيراني في المشرق العربي، فضعف سيطرة طهران في بغداد يعني فقدانها لعمق استراتيجي حيوي يمتد نحو سوريا ولبنان.

بالمقابل، واشنطن ودول الخليج ستراقب الانتخابات عن كثب، على أمل أن تنتج حكومة أكثر استقلالًا وتعاونًا اقتصاديًا وأمنيًا مع الغرب.

التقدير المستقبلي

خلال الأشهر القادمة، سيزداد الاستقطاب السياسي والإعلامي، وقد تشهد البلاد محاولات تسقيط متبادل،
لكن الاتجاه العام يشير إلى أن العراق يتجه ببطء نحو مرحلة “الاستقلال النسبي” في قراره السياسي، رغم بقاء نفوذ إيران قائمًا بقوة في المؤسسات الأمنية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى