شؤون تحليلية عربية

صراع داخلي في بورتسودان بين البرهان وإدريس على إدارة وزارة الخارجية

تتصاعد حدة التوتر داخل هياكل الحكم في بورتسودان بين القيادة العسكرية برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس، في ظل تنازع واضح على إدارة السياسة الخارجية السودانية.

ويأتي هذا الصراع ضمن محاولات الجيش لتكريس هيمنته على القرار الدبلوماسي خلال فترة الحرب، وسط تغيرات متلاحقة في قيادة وزارة الخارجية.

ومنذ تشكيل الحكومة في بورتسودان في مايو الماضي، برزت وزارة الخارجية بوصفها ساحة تنافس على السيطرة بين المكونين المدني والعسكري.

وقد سعى البرهان إلى إحكام قبضته على الوزارة عبر تعيين الدبلوماسي محيي الدين سالم أحمد في سبتمبر 2025، بعد مفاوضات داخلية مطوّلة.

سالم أحمد

سالم أحمد، وهو دبلوماسي محترف خدم في عهد الرئيس الأسبق عمر البشير، لا يُعرف بانتمائه لأي تيار سياسي أو عسكري، وسبق أن شغل مناصب دبلوماسية في الكويت والإمارات وإثيوبيا.

ورغم حياده النسبي، أثار تعيينه امتعاضًا في أبوظبي، الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ما زاد من حدة التجاذبات داخل المشهد السوداني.

يُشير مراقبون إلى أن اختيار سالم أحمد جاء ضمن مقاربة عسكرية تهدف إلى الإبقاء على نفوذ المؤسسة العسكرية في إدارة العلاقات الخارجية، مع منح الواجهة مظهرًا مدنيًا.

فقد رافق الوزير الجديد البرهان إلى القاهرة مؤخرًا في لقاءات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والمبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا، مسعد بولس، في مؤشر واضح على تموضع الوزارة ضمن orbit القيادة العسكرية.

إقالات متكررة

وتأتي هذه التطورات في أعقاب إقالات متكررة لوزراء الخارجية السابقين، بدءًا بعلي يوسف، الذي أُقيل بعد خلافات علنية مع مجلس السيادة بسبب دعواته للحوار مع قوات الدعم السريع، مرورًا بخليفته عمر صديق الذي أُجبر على الاستقالة عقب خلافات مشابهة.

هذه الإقالات المتتابعة عكست رفض العسكريين لأي توجه مستقل عن رؤيتهم في إدارة العلاقات الخارجية خلال مرحلة الحرب.

ورغم التوتر المؤسسي، لم تتوقف الاتصالات الدبلوماسية بين بورتسودان وواشنطن، إذ تشارك القيادة السودانية في المبادرة الأمريكية التي ترعاها إدارة دونالد ترامب، والهادفة إلى الحد من النفوذ الإيراني داخل السودان، وضمان ابتعاد التيار الإسلامي عن دائرة القرار العسكري.

مشروعان متناقضان

تكشف الأزمة المستمرة داخل وزارة الخارجية السودانية عن طبيعة الصراع العميق بين مشروعين متناقضين في بورتسودان: مشروع عسكري يسعى لتثبيت سلطته عبر التحكم بالملف الخارجي، ومشروع مدني يسعى لبناء مؤسسات دولة ذات استقلال سياسي نسبي.

إلا أن موازين القوة تميل بوضوح لصالح المؤسسة العسكرية، التي تنظر إلى الدبلوماسية كامتداد للأمن القومي لا كأداة سياسية مستقلة.

ومن المرجّح أن يستمر هذا النمط من السيطرة طالما ظل الصراع العسكري قائمًا، ما يعني أن السياسة الخارجية السودانية ستبقى محكومة باعتبارات الميدان أكثر من مقتضيات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى