محمود عباس يعيد هيكلة جهاز المخابرات داخل السلطة الفلسطينية
تشهد المؤسسة الأمنية الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، بعد قرارات مفاجئة أصدرها الرئيس محمود عباس شملت تعيينات وترقيات داخل جهاز المخابرات العامة، ما أثار تكهنات حول مستقبل رئيس الجهاز اللواء ماجد فرج، الذي يُعد أحد أكثر المقربين من الرئيس وأكثرهم نفوذًا داخل المنظومة الأمنية والسياسية.
وتشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن قرار الرئيس محمود عباس بإجراء تعديلات مفاجئة في جهاز المخابرات العامة لم يكن إجراءً إداريًا روتينيًا، بل خطوة مدروسة لإعادة هندسة التوازن داخل المؤسسة الأمنية الفلسطينية.
تهميش ماجد فرج
فقد شهد مقر المقاطعة في رام الله في 28 أيلول/ سبتمبر حفل أداء اليمين للواءين معين السكران وناصر مصطفى عدوي كنائبين لرئيس جهاز المخابرات، بينما لم يُخطر رئيس الجهاز، اللواء ماجد فرج، مسبقًا بالقرار.
ماجد فرج، الذي يُعتبر الذراع الأمنية الأقوى لعباس، وأحد أبرز المسؤولين الذين يقودون التنسيق الأمني والعلاقات مع الأجهزة الغربية والإسرائيلية، وجد نفسه أمام مؤشر واضح على إمكانية تهميشه أو إقالته من منصبه.
تزامنت هذه التغييرات مع اعتقال شقيقه رياض فرج في 18 أيلول/ سبتمبر بتهمة نقل أراضٍ قرب أريحا إلى مستوطنين إسرائيليين، وهي خطوة فُسرت في دوائر رام الله على أنها رسالة تحذير موجهة لماجد فرج، خصوصًا أن القضية تولتها المخابرات العسكرية المنافسة لجهازه.
دلالة التوقيت
التطورات تأتي في وقت حساس سياسيًا، إذ تتزايد التكهنات حول مرحلة ما بعد محمود عباس (89 عامًا)، خصوصًا بعد الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين من عدة دول أواخر أيلول/ سبتمبر.
هذا الاعتراف زاد الضغوط على عباس لتقديم نموذج إصلاحي داخل السلطة، ودفعه إلى إعادة ضبط الأجهزة الأمنية تحسبًا لتبدلات داخلية وخارجية.
ماجد فرج
يُعد ماجد فرج من أبرز المرشحين غير المعلنين لخلافة عباس، بدعم غربي وإقليمي، بفضل شبكة علاقاته الواسعة مع أجهزة استخبارات غربية وعربية.
إلا أن نفوذه الواسع أثار مخاوف داخل الدائرة المقربة من الرئيس، خاصة من جانب حسين الشيخ، الذي يسعى إلى إبعاد فرج عن خط الخلافة المحتمل.
التغييرات الأمنية لم تقتصر على المخابرات العامة، إذ تمت أيضًا ترقية إياد طاهر في مايو إلى رئاسة جهاز الأمن الوقائي خلفًا لعبد القادر التعمري، وهي خطوة أخرى ضمن مسار تعزيز الولاءات الشخصية لعباس وإضعاف مواقع القوة المستقلة.
طاهر ركّز منذ توليه المنصب على التعاون الاستخباراتي مع دول الخليج، حيث زار البحرين في يوليو لتعزيز التنسيق الأمني، ما يعكس اتساع محاور الاصطفاف الإقليمي داخل المنظومة الأمنية الفلسطينية.
إعادة هيكلة
التحولات الجارية داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية تكشف أن الرئيس محمود عباس يسعى إلى تحييد الشخصيات ذات النفوذ المستقل استعدادًا لمرحلة انتقالية حرجة.
ويبدو أن ماجد فرج، رغم قوته ونفوذه، بات في مرمى إعادة الهيكلة التي تهدف إلى ضمان ولاءات جديدة أكثر انضباطًا للرئاسة.
المؤشرات تدل على أن السلطة الفلسطينية تدخل مرحلة إعادة تموضع أمني وسياسي، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الدولية، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن ترتيبات ما بعد عباس.
في هذا السياق، قد يتحول جهاز المخابرات العامة من مركز نفوذ سياسي إلى أداة أكثر خضوعًا للقرار الرئاسي المباشر، في وقت تحاول فيه القيادة الفلسطينية منع أي فراغ أو انقسام داخل أجهزتها في لحظة حساسة من عمرها السياسي.




