شؤون تحليلية دولية

سد النهضة الإثيوبي: افتتاح مُعقد وموقف صومالي يوازن بين الأطراف الإقليمية

افتُتح سد النهضة الإثيوبي الكبير رسميًا أمس، ليصبح رمزًا للإنجاز الوطني الإثيوبي، ونقطة محورية في الصراع الدبلوماسي والإقليمي. وقد شارك في حفل الافتتاح عدد من قادة دول الجوار، من بينهم رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، والرئيس الكيني ويليام روتو، ورئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله، إضافة إلى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الذي حسم موقفه الغامض بالمشاركة.

سد النهضة: رمز قومي ومحور نزاع

سعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى استغلال مناسبة قمة المناخ الأفريقية، التي عُقدت في أديس أبابا، لإقامة حفل الافتتاح الرسمي لسد النهضة. يُعتبر هذا السد رمزًا قوميًا لإثيوبيا ومثارًا لنزاع محتدم مع مصر، التي ترى فيه تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي وحصتها من مياه النيل. وقد عكس غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والقائد السوداني عبد الفتاح البرهان عن الحفل استمرار التباينات العميقة بشأن المشروع.

أبعاد الموقف الصومالي: جوبالاند والضغط الدبلوماسي

وراء مشاركة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في حفل الافتتاح تكمن حسابات معقدة تتعلق بالنزاع الدائر في منطقة جيدو الحدودية. ففي أواخر تموز/ يوليو، سيطرت القوات الفيدرالية الصومالية على بلدة بليد هاو الحدودية، مما دفع ممثلي ولاية جوبالاند، التي يرأسها أحمد محمد إسلام (مادوبي)، إلى التوجه نحو إثيوبيا طلبًا للدعم العسكري. ومن خلال مشاركته، سعى حسن شيخ محمود إلى ضمان تعاون أديس أبابا أو على الأقل تحييدها، لتحقيق مكاسب استراتيجية في صراعه الداخلي.

تداخل التحالفات: مصر في الصومال

وفي موازاة ذلك، تعمل مصر على تعزيز وجودها العسكري في الصومال عبر نشر قوات في إطار بعثة أوسوم الجديدة للاتحاد الأفريقي. هذه الخطوة تمثل بعدًا جديدًا للتوتر، خاصة مع تصريحات السفير الإثيوبي الجديد في مقديشو، سليمان ديديفو، الذي قلل من جدوى نشر القوات المصرية واقترح توجيهها لأزمات أخرى. ورغم أن الحكومة الصومالية لم تستبعد خيار طرده، إلا أنها لم تقدم على هذه الخطوة، مما يعكس مدى حساسية الموقف.

الصومال لاعب براغماتي في مسرح إقليمي.. قراءة تحليلية

تُظهر مشاركة الرئيس الصومالي قدرته على استخدام ملف سد النهضة كورقة ضغط دبلوماسية لموازنة علاقاته بين مصر وإثيوبيا.
• مكاسب داخلية عبر الخارج: تسعى الحكومة في مقديشو، التي تواجه نزاعات داخلية في جيدو، للحصول على مكاسب استراتيجية من أديس أبابا، سواء عبر ضمان الحياد أو الحصول على دعم مباشر ضد جوبالاند.
• تحدي إثيوبي: تجد إثيوبيا نفسها أمام تحدٍّ مزدوج؛ فهي تريد الاحتفال بالسد كإنجاز وطني، لكنها مجبرة على التعامل مع واقع إقليمي معقد يربط بين المشاركة في الحفل والمواقف السياسية من قضايا أخرى.
• امتداد للنفوذ المصري: من جهتها، تهدف مصر من خلال نشر قواتها في الصومال إلى توسيع نفوذها على حساب إثيوبيا، وربط ملف سد النهضة بسياقات أمنية جديدة في القرن الأفريقي.
بذلك، يتضح أن افتتاح سد النهضة لم يعد مجرد مناسبة احتفالية، بل أصبح ساحة اختبار للنفوذ الإقليمي والتحالفات المتشابكة، حيث يتحرك الصومال كفاعل براغماتي بين القاهرة وأديس أبابا، محاولًا تحويل موقعه الجغرافي إلى أداة لتعظيم موقعه السياسي.
المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى