شؤون تحليلية عربية

البحر الأحمر: مصر تتصدى لتمدد القواعد العسكرية الأجنبية

يُشكل البحر الأحمر ركيزة حيوية في منظومة الأمن القومي المصري، نظرًا لموقعه الجغرافي الاستراتيجي المتصل مباشرة بقناة السويس، الشريان الملاحي الأهم عالميًا. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإيران، برزت مؤشرات على تحركات عسكرية أمريكية جديدة في غرب السعودية، ما استدعى ردًا مصريًا واضحًا وصارمًا برفض أي وجود عسكري دائم لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر. هذا الموقف المصري يعكس قلقًا عميقًا تجاه إعادة تشكيل ميزان القوى والنفوذ في المنطقة.

توسع عسكري أمريكي غرب السعودية: “قاعدة جينكنز” في الواجهة

شهد الساحل الغربي السعودي توسعًا عسكريًا أمريكيًا ملحوظًا، تمثل في تأسيس قاعدة “جينكنز” (L.S.A. Jenkins) قرب البحر الأحمر. في أوائل عام 2022، بدأت معالم هذه القاعدة الجديدة تظهر على بعد 20 ميلاً من الساحل الغربي للسعودية. وقد توسعت القاعدة تدريجيًا لتضم منشآت لتخزين الذخيرة، وطرقًا معبدة، وخيامًا وهياكل سكنية، متحولة شيئًا فشيئًا إلى مركز إمداد رئيسي للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط.
بحلول عام 2024، تجاوزت تكلفة تجهيز القاعدة 3 ملايين دولار، وتم ربطها بوحدات الدعم اللوجستي الأمريكي مثل قيادة الدعم الاستكشافي 364. بالإضافة إلى ذلك، أُنشئت مواقع لوجستية أصغر في الطائف وجدة، تُستخدم لتخزين الذخائر والوقود، وفقًا لتحليل صحيفة “نيويورك تايمز” لعقود حكومية وصور الأقمار الصناعية.
يرى خبراء أن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذا التوسع تقليل الاعتماد على قواعد الخليج الأكثر عرضة لهجمات إيرانية بصواريخ قصيرة المدى، بالإضافة إلى توفير نقاط انطلاق آمنة للقوات الأمريكية في حال اندلاع مواجهة مع إيران أو الحوثيين. فضلًا عن ذلك، يُنظر إلى هذه التحركات كدعم لمشروع الممر التجاري الجديد الذي يربط الهند بالخليج وإسرائيل وأمريكا عبر قناة بديلة لقناة السويس.

الرفض المصري: حماية الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية

جاء الرد المصري سريعًا وحاسمًا، حيث أعلن وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن مصر ترفض بشكل قاطع أي وجود عسكري دائم لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر. اعتبرت القاهرة أن إنشاء هذه القاعدة يهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر، خصوصًا قربها من قناة السويس.
يُذكر أن القاهرة رفضت في مناسبات سابقة مقترحات سعودية بإنشاء قاعدة أمريكية في جزيرتي تيران وصنافير، نظرًا لحساسية الموقع عند مدخل خليج العقبة.
عبر مسؤولون مصريون عن مخاوف استراتيجية متعددة من إقامة هذه القاعدة، منها:
• التأثير على الاستثمارات الصينية والروسية في المنطقة: فالوجود العسكري الأمريكي قد يؤثر سلبًا على مشاريع استثمارية وشراكات استراتيجية لمصر مع قوى عالمية أخرى.
• تعطيل الترتيبات الأمنية في سيناء مع إسرائيل: كما يُنظر إلى القاعدة على أنها ردع مباشر من “الحليف الأم” لإسرائيل لأي تحرك مصري مستقبلي، خاصة مع تخوف الإدارة الأمريكية من انتقال السلطة في مصر لجماعات “أصولية” على حد وصف “ويتكوف” نفسه.
• تعزيز التقارب العسكري بين السعودية وإسرائيل على حساب الدور المصري الإقليمي: ترى مصر أن هذا التوسع قد يضعف من مكانتها ودورها القيادي في المنطقة.
• تأثير الموقع الجغرافي للقاعدة قرب قناة السويس: قد يضعف مكانة مصر كخط مرور ملاحي عالمي ويهدد مستقبل إيراداتها من القناة، خاصة مع ظهور مخططات تجارية موازية (مثل الممر التجاري المذكور).
• إعادة تشكيل خرائط النفوذ: المشاريع الأمريكية-الخليجية المشتركة (الهند – الخليج – إسرائيل – أمريكا) تُعيد تشكيل خرائط النفوذ في البحر الأحمر بطريقة قد لا تخدم المصالح المصرية.
• دفع مصر نحو الاصطفاف: ترى مصر أن الوجود العسكري الأمريكي محاولة لتعويض تراجع الهيمنة البحرية الأمريكية بعد المواجهات مع اليمن (في إشارة إلى هجمات الحوثيين)، وأن هذا قد يجرّها نحو الاصطفاف في صراع أمريكي-إيراني لا يخدم مصالحها، وهو أمر مستبعد خصوصًا في ظل الإدارة المصرية الحالية التي تتجنب أي صراع مشابه.
• احتمال استخدام القواعد في عمليات استفزازية: يمكن استخدام هذه القواعد في عمليات عسكرية قد تستفز إيران أو الحوثيين، ما يُعرض البحر الأحمر للاشتعال وعدم الاستقرار.

تحديات مصرية كبرى للحفاظ على السيادة والدور الإقليمي
ختامًا، لا يُعد الرفض المصري لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية في البحر الأحمر مجرد موقف دبلوماسي، بل هو استراتيجية أمن قومي متكاملة تهدف لحماية السيادة الوطنية، وصون قناة السويس كمصدر حيوي، والحفاظ على توازنات إقليمية دقيقة. ومع تزايد النفوذ العسكري والاقتصادي الأمريكي والخليجي في المنطقة، تواجه مصر تحديًا كبيرًا في الحفاظ على دورها المركزي دون الانخراط في تحالفات قد تمس استقلال قرارها. يبقى السؤال، كيف ستُوازن مصر بين مصالحها الأمنية والاقتصادية في ظل هذه التحولات الإقليمية المتسارعة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى