شؤون تحليلية عربية

حضرموت: ساحة المواجهة الجديدة.. صراع النفوذ السعودي الإماراتي يعيد تشكيل جنوب اليمن

تشهد محافظة حضرموت اليمنية تحركات عسكرية وسياسية لافتة، تُشير إلى مرحلة جديدة من التوترات العميقة داخل الجنوب اليمني. في ظل صراع النفوذ المحتدم بين السعودية والإمارات، برزت قوى قبلية وعسكرية جديدة مدعومة من الرياض، لتواجه جماعات أخرى تحظى بدعم أبو ظبي. هذا المشهد المتقلب يُنذر بتصاعد احتمالات اندلاع مواجهات مسلحة على نطاق واسع، بينما تُراقب تركيا الأوضاع بحذر شديد.

“قوة حماية حضرموت”: ذراع السعودية الجديد في الساحة


في خطوة ذات دلالات استراتيجية واضحة، أُعلنت في نهاية يونيو 2025 في حضرموت عن تشكيل قوة عسكرية جديدة تحت مسمى “قوة حماية حضرموت.” هذه القوة تُمثل الذراع المسلحة لـ”تحالف القبائل الحضرمي” (HTA)، بقيادة مبارك العوبثاني وبدعم سعودي لا تخطئه العين. وقد ظهر العوبثاني في صور من جدة إلى جانب شخصيات سعودية بارزة، مما يؤكد الدعم المباشر للرياض لهذا المشروع العسكري الجديد.
يأتي هذا التحرك السعودي كرد مباشر على النفوذ المتزايد للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يُعد وكيلًا للإمارات في الجنوب ويُسيطر جزئيًا على مدينة المكلا الساحلية الاستراتيجية.

رد الفعل الإماراتي وتصاعد المطالب الحضرمية


قابلت الإمارات هذا التحرك بحملة اعتقالات استهدفت شخصيات مرتبطة بـ”بن حبريش” في مارس الماضي، من بينهم الصحفي مزاحم باجابر، مما يُشير إلى محاولة لعرقلة تمدد النفوذ السعودي.
في المقابل، صعّد الزعيم القبلي عمرو بن حبريش، الذي يتمتع بنفوذ واسع بين قبائل حضرموت ويُعد خصمًا تاريخيًا للمجلس الانتقالي الجنوبي، من مطالبه تجاه حكومة معين عبد الملك المعترف بها دوليًا (والتي تُوصف هنا بحكومة العليمي، ربما في إشارة للرئيس رشاد العليمي). فقد علّق بن حبريش شحنات الوقود المتجهة إلى عدن، مطالبًا بحصة أكبر من عائدات النفط لأبناء حضرموت وتجنيد الآلاف منهم في الجيش، في خطوة تهدف إلى تعزيز النفوذ الحضرمي المستقل.

عودة الحركات الإسلامية بثوب جديد: “حركة المقاومة الإسلامية”


تُضاف إلى هذا المشهد المعقد ظهور حركة جديدة بقيادة أبو عمرو النهدي، وهو جهادي سابق في تنظيم القاعدة. أطلق النهدي “حركة المقاومة الإسلامية في حضرموت”، وتحظى هذه الحركة بتأييد قبلي وتُثار حولها مخاوف من عودة خطاب متشدد، رغم تبنيها لنهج سياسي شعبي. وقد نفى النهدي أي صلة له بالحركات الجهادية حاليًا، معلنًا توجهًا سياسيًا مدنيًا، وذلك رغم محاولات اغتياله المتكررة.
وردّ المجلس الانتقالي الجنوبي على هذه الحركة بخطاب شديد اللهجة، متهمًا إياها بالارتباط بتنظيم القاعدة وداعش، وهو ما يُزيد من حدة التوتر في الميدان ويُعقد المشهد الأمني في حضرموت.

حضرموت على حافة المواجهة المفتوحة


تُشير كل هذه المعطيات إلى أن حضرموت تقف على حافة مواجهة مفتوحة بين قوى قبلية وعسكرية متنافسة، تُدعم وتُرعى من قِبل قوى إقليمية ذات أجندات متضاربة. إن صراع النفوذ السعودي الإماراتي في الجنوب اليمني يُعد ردًا مباشرًا على التمدد الإماراتي عبر المجلس الانتقالي، ويعكس تنافسًا استراتيجيًا على بوابة الشرق اليمني وموارده النفطية الغنية.
كما أن عودة الحركات الإسلامية بثوب جديد، عبر ظهور حركة يقودها جهادي سابق بخطاب سياسي معتدل، يمهد لاحتمالات إدماج القوى السلفية والجهادية السابقة في العمل السياسي، ولكنه في الوقت ذاته يحمل في طياته خطر التصعيد في حال استهدفت عسكريًا.
مع الانتشار العسكري المتوقع لـ”قوة حماية حضرموت”، ورفض المجلس الانتقالي لهذا التمدد، يبدو أن المواجهة بين القوى المحلية المدعومة إقليميًا باتت مسألة وقت. ويتفاقم هذا الوضع بسبب تداخل المصالح القبلية وانقسام المشهد بين دعاة الانفصال وأنصار الحكم الذاتي، مما يجعل حضرموت نقطة اشتعال محتملة في خارطة الصراع اليمني المعقد.

المصدر: بوليتكال كيز + إنتلجنس أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى