شؤون عربية

توتر العلاقات بين ليبيا واليونان.. أسبابه ومآلاته وانعكاساته الإقليمية

شهدت العلاقات الليبية اليونانية في الفترة الأخيرة توترًا متصاعدًا، على خلفية نزاع بحري يتعلق بترسيم الحدود البحرية واستكشاف موارد الطاقة في جنوب جزيرة كريت.

هذا الخلاف ليست له جذور تقنية فقط، بل يعكس تفاعلات جيوسياسية أوسع تشمل تركيا، والاتحاد الأوروبي، والهجرة غير النظامية، مما يخلف أبعادًا إقليمية واستراتيجية عميقة.

ترجع جذور النزاع الحالي إلى اتفاق البحار بين ليبيا وتركيا في عام 2019، والذي حدد مناطق اقتصادية بحرية متداخلة مع المياه التي تعتبرها اليونان ضمن نطاقها السيادي، وقد اعتبرت أثينا هذا الاتفاق غير قانوني، معتبرة أنه يتجاهل وجود جزرها، وخاصة جزيرة كريت.

تصاعدت التوترات بعد إعلان اليونان، في حزيران/ يونيو 2025، عن طرح مناقصة دولية لاستكشاف الهيدروكربونات في مناطق بحرية جنوب كريت، واعتبرت الحكومة الليبية أن هذه المناطق محل نزاع لم يُحسم بعد، ما دفعها إلى إصدار بيان شديد اللهجة يؤكد “حقها الأصيل” في حماية مواردها البحرية ورفض أي استغلال خارجي بدون تفاهم قانوني مسبق.

ردًا على ارتفاع أعداد المهاجرين القادمين من السواحل الليبية، نشرت اليونان قطعًا بحرية قرب المياه الليبية لمنع وصول المهاجرين إلى جزيرتي كريت وغافدوس.

ورغم تنسيق هذه التحركات مع بعض الجهات الليبية، فإنها ساهمت في تعقيد المشهد، حيث تُعتبر خطوات أحادية الجانب.

كما ردّت ليبيا بدعوة الحكومة اليونانية إلى وقف العطاءات والعودة إلى طاولة الحوار، محذرة من اعتبار أي نشاط استكشافي “أعمالًا عدائية وغير قانونية”.

ووصل الأمر إلى مشادات دبلوماسية في مجلس الأمن، تبادل فيها ممثلو البلدين الاتهامات.

رغم التصعيد، عادت نبرة الخطاب إلى التهدئة خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي في حزيران/ يونيو 2025، حيث أكد السفير الليبي والسفير اليوناني استعدادهما للحوار البناء.

وقد أشاد الطرفان بالجهود الأممية لتقريب وجهات النظر، مع دعوات لتجنب الاستفزازات وإيجاد حلول قانونية قائمة على احترام السيادة.

كما تتزامن هذه الجهود مع تحركات دبلوماسية مكثفة، منها زيارة مرتقبة لوزير الخارجية اليوناني إلى طرابلس لبحث سبل التعاون بشأن الحدود البحرية والهجرة غير النظامية.

يتجاوز هذا النزاع الإطار الثنائي بين ليبيا واليونان، ليشكّل أحد تجليات الصراع الجيوسياسي على شرق المتوسط، فالمناطق البحرية محل النزاع غنية بالغاز الطبيعي، وتدخل ضمن استراتيجيات الطاقة الأوروبية، لا سيما بعد الحرب في أوكرانيا وتراجع الاعتماد على الغاز الروسي.

علاوة على ذلك، فإن الوضع الأمني في ليبيا وانقسام السلطة بين الشرق والغرب يعقّد من مسألة تمثيل الموقف الليبي الموحد، ما يمنح أطرافًا إقليمية، كتركيا وفرنسا وإيطاليا، دورًا مؤثرًا في إدارة النزاع.

الهجرة أيضًا تضع هذا النزاع في قلب السياسات الأوروبية، إذ تخشى اليونان من تحوّل ليبيا إلى بوابة رئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو جنوب أوروبا، وهو ما يدفعها إلى ربط ملفات الطاقة والأمن والهجرة في تعاملها مع طرابلس.

قد تستمر اليونان في سياساتها الاستكشافية، مما يدفع ليبيا إلى تقديم شكاوى رسمية في المحافل الدولية أو اتخاذ إجراءات قضائية في محكمة العدل الدولية وهو السيناريو غير المنتظر إثر التهدئة.

في حال توفر إرادة سياسية، قد يدخل الطرفان في مفاوضات برعاية أممية أو أوروبية لإعادة ترسيم الحدود البحرية بصورة متفق عليها؛ وهو الأمر الذي يُعد معقدًا نوعًا إثر تعقد الواقع السياسي.

قد يُفضي الضغط الدولي إلى تجميد مؤقت للأنشطة الاستكشافية في انتظار تسوية دبلوماسية، خاصة مع قرب الاستحقاقات الانتخابية في ليبيا.

ختامًا؛ تكشف الأزمة الليبية اليونانية عن هشاشة التوازنات الجيوسياسية في شرق المتوسط، حيث تتداخل المصالح الوطنية مع التحالفات الإقليمية والصراعات التاريخية.

وبينما يشكل ملف الطاقة والمياه الإقليمية محور الخلاف، فإن الاستقرار في ليبيا والحوار الحقيقي البناء يمثلان المخرج الأساسي لتفادي التصعيد وضمان أمن واستقرار المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى