تحرك فرنسي لإعادة تموضع صناعات الدفاع في المغرب في مواجهة المنافسة الإسرائيلية والأميركية
تسعى باريس منذ أشهر إلى إعادة تنشيط شراكتها الدفاعية مع المغرب، عبر مقاربة تجمع بين العروض الصناعية والحلول المالية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، زار وفد من المديرية العامة للتسليح الفرنسية (DGA) الرباط نهاية يناير، برئاسة فريديريك دوديه، مدير إفريقيا والشرق الأوسط، وغايل دياز دي توستا، المدير الدولي للوكالة. وشارك في الاجتماعات ممثلون عن السفارة الفرنسية، بينهم السفير كريستوف لوكورتييه والملحق العسكري داميان لوبيز.
اللقاءات تركزت مع “المكتب الرابع” في هيئة أركان القوات المسلحة الملكية المغربية (المعني باللوجستيات والتجهيز)، حيث عرضت الشركات الفرنسية حزمة متكاملة شملت غواصات من Naval Group، وأنظمة رادار من Thales، وتجميع عربات مدرعة من Arquus، إضافة إلى صيانة مروحيات “كاراكال” من Airbus. كما شاركت مجموعة KNDS، رغم خسارتها صفقة مدافع “سيزار” لصالح Elbit Systems ومنظومة Atmos 2000.
في موازاة العروض التجارية، يجري نقاش حول إنشاء آلية مالية لتجميع “الأوفست” (التعويضات الصناعية) الخاصة بالشركات الفرنسية العاملة في المغرب، ضمن إطار استثماري قد يضم مؤسسات مغربية كبرى. الفكرة نوقشت في جلسات مغلقة شارك فيها رجل الأعمال نيكولا كيبل، نجل الباحث جيل كيبل، والذي ينشط مستشارًا للتجارة الخارجية الفرنسية عبر شركته Add Equatio في الرباط. كيبل يتمتع بعلاقات داخل مؤسسات مغربية، بينها صندوق CDG، وخاصة مع ياسين حدّاوي، المدير العام لصندوق CDG Invest Management.
التحرك الفرنسي يأتي في سياق تنافس محتدم، خصوصًا بعد دخول لاعبين جدد إلى مناطق الصناعات الدفاعية التي أطلقها المغرب في بنسليمان وبرشيد قرب الدار البيضاء. ففي سبتمبر الماضي، دشّنت شركة Tata Advanced Systems مصنعًا لإنتاج مدرعات WhAP 8×8 بشراكة مع Elbit Systems لتوريد أبراج UT30MK2. كما أنشأت الرباط شركة SGZID لإدارة مناطق الصناعات الدفاعية، بشراكة بين وكالة ALEM وذراع التهيئة العمرانية التابع لـ CDG.
رغم الزخم الفرنسي، فإن الاستجابة المغربية ما تزال حذرة، خاصة بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024، والتي لم تُترجم إلى اختراقات صناعية ملموسة حتى الآن.
على الجانب المدني، يحقق Safran تقدمًا ملحوظًا. فقد أعلن رئيسه روس ماكينز عن استثمارات بقيمة 600 مليون يورو لإقامة ثلاث مصانع جديدة، بينها منشأة صيانة لمحركات LEAP افتُتحت بحضور محمد السادس وولي العهد مولاي الحسن، إضافة إلى مصنع تجميع ومحطة لإنتاج معدات هبوط الطائرات، مفضّلًا المغرب على رومانيا والمكسيك. هذه الاستثمارات تتماشى مع رؤية الرباط لبناء منظومة صناعات جوية على غرار تجربة قطاع السيارات في العقد الماضي، بدعم من استثمارات يقودها أيضًا الأمير مولاي رشيد عبر صندوق AlphaVest Capital.
تحرك باريس يعكس رغبتها في استعادة موقعها كشريك دفاعي أول للمغرب، عبر الجمع بين التصنيع المحلي والحوافز المالية، في مواجهة النفوذ المتسارع للإسرائيليين والأميركيين والهنديين. نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على مستوى الثقة السياسية واستقرار أولويات الرباط، إذ يظهر التفضيل المغربي للاستثمارات المدنية ذات العائد الواضح مقارنة بالمشاريع الدفاعية التي تتطلب وقتًا طويلًا لتحقيق الأثر الصناعي.
إعادة التموضع الفرنسي قد توفر لـ باريس موطئ قدم مهم في السوق الدفاعية الإفريقية، لكن المنافسة الإقليمية الشديدة تجعل الأمر تحديًا معقدًا يستلزم توازنًا بين التقنية، المال، والسياسة.




