شؤون تحليلية عربية

عودة المالكي تثير الغضب الأمريكي.. الأبعاد والسيناريوهات المتوقعة

شهدت الساحة السياسية العراقية في الأسبوع الأخير تطورات هي الأخطر منذ إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث اصطدمت مساعي “الإطار التنسيقي” لتشكيل الحكومة بجدار الرفض الأمريكي القاطع، مما وضع البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة بين التصعيد الدبلوماسي والانهيار الاقتصادي.

صدام المالكي وترامب

تصدر خبر ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء واجهة الأحداث، ليس بسبب التوافق الداخلي، بل بسبب رد الفعل العنيف من واشنطن، حيث وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة عبر منصة “تروث سوشيال”، مؤكداً أن واشنطن ستوقف كافة أشكال الدعم للعراق في حال عودة المالكي للسلطة، واصفاً إياه بالخيار “السيئ للغاية”.

ولوحت الإدارة الأمريكية بفرض قيود مشددة على تدفق الدولار من البنك الفيدرالي إلى بغداد، وهو ما أثار ذعراً في الأوساط المالية العراقية خوفاً من انهيار سعر صرف الدينار.

الانقسام داخل “الإطار التنسيقي”

على الرغم من الإعلان الرسمي عن دعم المالكي، كشف الأسبوع الأخير عن تصدعات داخل البيت الشيعي: حيث ارتأت قوى مثل “تيار الحكمة” بقيادة عمار الحكيم الدفع نحو “مرشح تسوية” لتجنب صدام مباشر مع إدارة ترامب.

كما برز مقترح آخر جديد يتم تداوله في الكواليس يقضي بتمديد ولاية محمد شياع السوداني لمدة عام إضافي كـ “حكومة تصريف أعمال بصلاحيات موسعة” لكسر الجمود الحالي.

الشلل الدستوري في البرلمان

أخفق مجلس النواب للمرة الثالثة في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ويأتي ذلك نتيجة عدة عوامل، أبرزها غياب النصاب بسبب استمرار المقاطعة من قبل كتل سنية وكردية تخشى تداعيات الصدام مع المجتمع الدولي.

ومن عوامل إخفاق البرلمان في انتخاب رئيس جمهورية الخلاف الكردي: عدم توصل الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد الوطني) لاتفاق على مرشح للمنصب، مما يعطل آلياً عملية تكليف رئيس الوزراء.

التداعيات الأمنية والإقليمية

دخل العامل الأمني على خط الأزمة السياسية من بوابة ملف مقاتلي داعش؛ حيث مارست واشنطن ضغوطاً عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو بضرورة حسم ملف المعتقلين الأجانب، في إشارة ضغط واضحة لربط المساعدات الأمنية بهوية الحكومة القادمة ومدى ابتعادها عن النفوذ الإيراني.

أبعاد عودة المالكي

الخبر ليس مجرد ترشيح سياسي تقليدي، بل هو اختبار قوة مبكر بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (التي عادت للبيت الأبيض بسياسة “الضغط الأقصى”) وبين القوى الحليفة لإيران في العراق.

من منظور واشنطن، ترى الإدارة الأمريكية في عودة المالكي “خطاً أحمر” وتهديداً لمصالحها الاستراتيجية، ولذلك استخدمت لغة غير مألوفة في الدبلوماسية (التهديد بقطع المساعدات ومنع الدولار)، ما يعني أن واشنطن قررت التدخل المباشر في هندسة النظام السياسي العراقي لمنع تحويله إلى “دولة مواجهة”.

من منظور المالكي والإطار، التمسك بالترشيح رغم التهديد هو محاولة لفرض “الأمر الواقع” داخلياً، واللعب على وتر “السيادة الوطنية” لحشد الجمهور الشيعي خلف فكرة رفض الإملاءات الخارجية.

من جانب آخر، فإن خلف بيان “الإطار التنسيقي” المعلن بدعم المالكي، تكمن انقسامات حادة.

براغماتية “الحكمة” و”النصر”

يدرك عمار الحكيم وحيدر العبادي أن التصادم مع واشنطن في ظل أزمة اقتصادية (تذبذب سعر الصرف) قد يؤدي إلى ثورة شعبية، لذا فهم يميلون لمرشح “لا يستفز المجتمع الدولي”.

خيار “السوداني 2”

يبرز اسم محمد شياع السوداني ليس كخيار مفضل للجميع، بل كـ “خيار ضرورة” لتهدئة العاصفة الأمريكية، حيث يُنظر إليه دولياً كشخصية يمكن التفاهم معها.

لأول مرة منذ سنوات، يرتبط الخبر السياسي بقمة الهرم في واشنطن وبمنصة “تروث سوشيال” (منصة ترامب).

التحليل يشير إلى أن واشنطن تدرك أن “مفتاح بقاء أي حكومة في بغداد هو استقرار الدينار”، الأمر الذي يوحي أن التهديد الأمريكي بالدولار ليس موجهاً للمالكي كشخص، بل هو رسالة تحذير لكل القوى السياسية بأن تكلفة اختيار رئيس وزراء “موالٍ لإيران” ستكون الانهيار المالي الشامل.

وإن الخلاف الكردي-الكردي حول منصب الرئيس، وإن بدا شأناً داخلياً، إلا أنه يعمل كـ “فرامل دستورية” تخدم الأطراف الرافضة للمالكي؛ فبدون رئيس جمهورية، لا يمكن تكليف مرشح الإطار، مما يمنح القوى المعارضة (والوسطاء الدوليين) وقتاً إضافياً لإنضاج “صفقة تسوية”.

الخلاصة والسيناريوهات المتوقعة

العراق يعيش مرحلة “الانسداد النشط”، وعليه نحن أمام سيناريويهين، سيناريو “التسوية المرهقة”: انسحاب المالكي مقابل ضمانات قضائية وسياسية، والمجيء بمرشح تكنوقراط أو التجديد للسوداني، وسيناريو “حافة الهاوية”: إصرار الإطار على مرشحه، ما قد يدفع واشنطن لتنفيذ تهديداتها المالية، وهو ما قد يفجر الشارع العراقي نتيجة الغلاء وتأخر الرواتب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى