تراجع نفوذ معسكر حفتر في جنوب ليبيا بعد فقدان السيطرة على معبر النيجر: تحوّل ميداني في موازين القوة بالفيزان
شهد جنوب شرق ليبيا تطورًا أمنيًا لافتًا عقب هجوم مسلح استهدف مواقع تابعة للجيش الوطني الليبي عند معبر “الطمّو” الحدودي مع النيجر في 31 يناير، ما أسفر عن مقتل ثلاثة عناصر واحتجاز نحو عشرة آخرين، في واحدة من أعنف الضربات التي يتلقاها معسكر خليفة حفتر في الجنوب خلال الفترة الأخيرة.
الهجوم قاده القيادي التبوّي محمد وردوغو، الذي كان يُعد سابقًا من حلفاء حفتر في إقليم فزان، قبل أن ينحاز مؤخرًا إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة. ويسيطر وردوغو حاليًا على عقدة عبور استراتيجية تمثل نقطة تقاطع رئيسية لطرق تهريب الوقود والبضائع الخاضعة لنفوذ قوات حفتر، والتي تدرّ ما يقارب ثلاثة ملايين دينار ليبي شهريًا من الرسوم غير الرسمية.
وعلى الرغم من تمكن قوات حفتر لاحقًا من إعادة الانتشار في الموقع، فإن عناصر وردوغو ما زالوا يمنعون مرور شاحنات الوقود والمركبات المتجهة نحو النيجر وتشاد، ما عطّل فعليًا أحد أبرز شرايين التمويل الذاتي للجيش الوطني الليبي في الجنوب.
مساعٍ لاحتواء الأزمة وتوازنات قبلية معقدة
في محاولة لاحتواء الموقف، توجه خالد حفتر، رئيس أركان القوات البرية ونجل خليفة حفتر، إلى المنطقة للتفاوض بشأن إطلاق سراح الأسرى، إلا أن هذه المساعي لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة.
ويتمركز وردوغو في ما يُعرف بـ“مثلث سلفادور” الممتد بين ليبيا والنيجر والجزائر، وهي منطقة تُستخدم كقاعدة خلفية لعدد من الجماعات المسلحة المعارضة. كما تستضيف عناصر من “مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية” التشادي، الذي يتخذ من جنوب ليبيا ملاذًا منذ سنوات.
المنطقة نفسها كانت في السابق ملجأً للضابط حسن الزادمة من قبيلة أولاد سليمان، قبل طرده من صفوف الجيش الوطني، وهو ما أدى إلى توتر علاقات حفتر مع الأخوين سالم وزيدان الزادمة، وهما من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية في الجنوب، ويتمتعان بعلاقات قوية داخل الإمارات.
حدود رخوة ومشروع متعثر
شرقًا، لا يزال الجيش الوطني يحتفظ بسيطرة اسمية على الحدود التشادية، غير أن الوضع هناك يبقى هشًا. ففي يونيو الماضي، جرى اعتقال القيادي التبوّي حسن موسى كيلي بتهمة التخطيط لعمليات ضد قوات حفتر. أما مشروع القوة المشتركة الليبية–التشادية، الذي أُعلن عنه في نوفمبر عقب تفاهم بين صدام حفتر والرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، فلم يدخل حيّز التنفيذ حتى الآن.
تأتي هذه التطورات في سياق تراجع متدرج لنفوذ حفتر في الجنوب، مع تنامي دور الفاعلين القبليين المحليين، وتحول فزان إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية وشبكات تهريب عابرة للحدود، في ظل غياب فعلي لسلطة مركزية مستقرة.
ويشكّل فقدان معبر الطمّو ضربة مباشرة لمنظومة التمويل غير الرسمي لقوات حفتر في فزان، ويقوّض سيطرته على اقتصاد الحدود. كما يعكس انشقاق محمد وردوغو هشاشة التحالفات القبلية واعتماد معسكر حفتر على ولاءات ظرفية قابلة للانقلاب.
وفي المقابل، يحوّل تمركز جماعات تشادية معارضة في “مثلث سلفادور” الجنوب الليبي إلى عمق خلفي لصراعات إقليمية متعددة، فيما يؤكد استمرار تعثر القوة الليبية–التشادية المشتركة محدودية قدرة معسكر حفتر على تثبيت حدوده الجنوبية، رغم الدعم الخارجي الذي يحظى به.




