قوات الدعم السريع تبني مؤسسات حكم موازية في غرب السودان
تشير تطورات ميدانية وسياسية متسارعة في غرب السودان إلى انتقال قوات الدعم السريع من مرحلة السيطرة العسكرية المؤقتة إلى مرحلة ترسيخ واقع حكم فعلي على الأرض.
ففي سياق الثقة المتزايدة لدى هذه القوات بقدرتها على الاحتفاظ بالمناطق الواقعة تحت سيطرتها، لا سيما في إقليم دارفور، بدأت بالتحرك نحو إنشاء هياكل مؤسسية بديلة تحاكي وظائف الدولة التقليدية.
مؤسسة مالية جديدة في نيالا
في هذا الإطار، أعلنت إدارة محلية مرتبطة بقوات الدعم السريع عن افتتاح مؤسسة مالية جديدة في مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، تحت اسم بنك Future، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لسد الفراغ المصرفي الناتج عن انهيار عمل البنوك الرسمية في مناطق نفوذ المليشيا.
الإعلان عن هذه المؤسسة جاء في سياق حديث متزايد عن شلل شبه كامل للمنظومة المصرفية الحكومية في الإقليم، ما أوجد حاجة عملية لآلية مالية تُمكّن السكان والتجار من تسيير شؤونهم اليومية.
اللافت في هذه الخطوة أنها لا تقتصر على بعد خدمي أو اقتصادي محدود، بل تحمل في طياتها أبعادًا سياسية، وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، ومع غياب أي أفق قريب لتسوية سياسية شاملة.
هذا الواقع أتاح لقوات الدعم السريع مساحة زمنية وجغرافية كافية لتكريس وجودها، وتحويل السيطرة العسكرية إلى نمط حكم فعلي يتجاوز الطابع المؤقت الذي يرافق عادة الجماعات المسلحة.
الدلالات
يبدو أن توجه قوات الدعم السريع نحو إنشاء مؤسسات مالية وإدارية خاصة بها يعكس قناعة متزايدة داخل قيادتها بأن الانقسام الجغرافي والسياسي في السودان بات واقعًا يصعب التراجع عنه في المدى المنظور.
فبدل الاكتفاء بإدارة مناطق النفوذ عبر الهياكل العسكرية، تتجه هذه القوات إلى بناء أدوات حكم مدني–شبه رسمي تمنحها قدرة أكبر على إدارة السكان والموارد، وتقلل من اعتمادها على مؤسسات الدولة المركزية التي باتت غائبة أو معادية.
يتضح أن اختيار القطاع المصرفي كنقطة انطلاق لهذا المشروع ليس عشوائيًا، إذ يمثل المال عصب السيطرة السياسية والاجتماعية.
فمن خلال التحكم في عمليات الإيداع والتحويل والتجارة المحلية، تستطيع قوات الدعم السريع فرض نوع من التبعية الاقتصادية للسكان، وتعزيز قدرتها على تمويل أنشطتها العسكرية والإدارية في آن واحد.
كما أن وجود مؤسسة مالية يمنحها هامشًا أوسع للتواصل غير المباشر مع شبكات تجارية وإقليمية، حتى في ظل غياب الاعتراف الرسمي.
في حين أن هذه الخطوة قد تُبرَّر ظاهريًا باعتبارها استجابة لفراغ مؤسسي وخدمي، إلا أنها تحمل في جوهرها مؤشرات واضحة على مسار انفصالي وظيفي، لا يقوم بالضرورة على إعلان دولة مستقلة، بل على إنشاء دولة موازية بحكم الأمر الواقع.
هذا النمط من الحكم لا يحتاج إلى اعتراف دولي فوري بقدر ما يحتاج إلى الاستمرارية والقدرة على فرض النظام وتقديم الحد الأدنى من الخدمات.
أيضًا يمكن قراءة المشهد بوصفه تمهيدًا لسلسلة خطوات لاحقة، حيث من المرجح أن تسعى قوات الدعم السريع إلى استكمال بنيتها المؤسسية عبر إنشاء محاكم محلية، وأجهزة ضبط مدني، وهياكل إدارية موازية، بما يمنحها سيطرة شاملة على الحياة العامة في غرب السودان.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا المسار إلى تكريس واقع تقسيم فعلي للدولة السودانية، حتى وإن ظل الخطاب السياسي الرسمي يتحدث عن وحدة البلاد.




