شؤون تحليلية عربية

ثوار الجنوب يعيدون رسم معادلة القوة في جنوب ليبيا

شهد جنوب ليبيا خلال الأيام الأخيرة تطورًا أمنيًا لافتًا، تمثّل في بروز تشكيل مسلح جديد يطلق على نفسه اسم «ثوار الجنوب»، نجح في فرض حضور ميداني سريع ومؤثر قلب موازين السيطرة في عدد من النقاط الحيوية. وظهرت أولى مؤشرات هذا التحول عبر تحركات رمزية، تمثلت في تمزيق صور القائد العام لما يُعرف بالجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، قبل أن تنتقل المجموعة إلى خطوات ميدانية مباشرة اتسمت بقدر أعلى من التصعيد.

وتمكنت هذه القوة من السيطرة على عدة منافذ استراتيجية في الجنوب الليبي، من بينها كوداي بغرارة ونقطة سلفادور، إضافة إلى منفذ التوم الحدودي، الذي يُعد أحد أهم المعابر البرية الرابطة بين ليبيا والنيجر. وترافقت هذه السيطرة مع أسر عناصر أمنية تابعة لقوات حفتر، وُصفت بأنها مقرّبة من دوائر نفوذ مدعومة من الإمارات، ما منح الحدث أبعادًا سياسية تتجاوز الإطار المحلي المباشر.

وتعرّف مجموعة «ثوار الجنوب» نفسها على أنها كيان يضم عناصر عسكرية وقوى مدنية من مختلف المكونات الاجتماعية في الجنوب الليبي، وتتبنى خطابًا يرتكز على مظلومية الإقليم الجنوبي وتهميشه من قبل مراكز السلطة في الشرق والغرب على حد سواء. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من طابعه المحلي، لم ينجح حتى الآن في تبديد الغموض المحيط بطبيعة المجموعة، ولا بحجم قدراتها التنظيمية والعسكرية التي مكّنتها من تنفيذ عمليات منسقة في مناطق شديدة الحساسية.

ويأتي هذا التطور في سياق يعاني فيه الجنوب الليبي من فراغ أمني مزمن، وتعدد في مراكز النفوذ، وتداخل في المصالح الإقليمية، ما جعله ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل التوازنات، لا سيما في ظل ارتباطه المباشر بملفات الهجرة غير النظامية، والتهريب، ونشاط الحركات المسلحة العابرة للحدود.

الجنوب الليبي كساحة اختبار لانكسار النفوذ وإعادة التموضع

لا يمكن فصل الظهور السريع والمنظم لقوة «ثوار الجنوب» عن حالة التآكل التدريجي التي تعاني منها منظومة السيطرة التابعة لخليفة حفتر في المناطق البعيدة عن مراكز ثقله التقليدية. الجنوب الليبي، بحكم اتساعه الجغرافي وتعقيد تركيبته الاجتماعية، ظل يشكل نقطة ضعف بنيوية في مشروع بسط النفوذ العسكري.

ويكشف اختيار المنافذ الحدودية كنقطة ارتكاز أولى عن فهم دقيق لأهمية هذه المواقع في معادلة القوة، إذ تمثل المعابر البرية أدوات سيطرة اقتصادية وأمنية في آن واحد. وتمنح السيطرة على منفذ التوم، على وجه الخصوص، هذه المجموعة قدرة على التأثير في حركة الأفراد والبضائع بين ليبيا والنيجر، كما تفتح المجال أمام إعادة ترتيب شبكات النفوذ المحلية التي تعتمد على هذه المعابر بوصفها مصدرًا للتمويل والنفوذ.

وفي حين يوحي الخطاب المعلن بطابع محلي مستقل، فإن طبيعة العمليات وسرعة انتشارها تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول وجود دعم من أطراف ليبية مناوئة لحفتر تسعى إلى استنزافه في خاصرته الجنوبية، أو من قوى إقليمية ترى في الجنوب الليبي ساحة مناسبة لإعادة ضبط التوازنات بعيدًا عن خطوط التماس التقليدية في الشمال.

ويمكن قراءة المشهد أيضًا ضمن سياق أوسع يرتبط بتراجع قدرة الإمارات على إدارة نفوذها غير المباشر في بعض الساحات، مقابل تنامي محاولات قوى أخرى اختبار نقاط الضعف في منظومة حلفائها. استهداف قوات موصوفة بأنها مقرّبة من الدوائر الإماراتية، ولو بشكل غير مباشر، يحمل دلالات سياسية تتجاوز الحسابات المحلية، ويشير إلى رسائل ضغط متبادلة تُدار عبر ساحات تبدو هامشية ظاهريًا لكنها شديدة الحساسية من الناحية الاستراتيجية.

كما أن الطابع الغامض لتكوين «ثوار الجنوب» يمنحها هامش حركة واسع، يتيح لها تقديم نفسها كقوة مطلبية محلية عند الحاجة، أو كفاعل أمني منظم في حال تصاعد الصراع. غير أن هذا الغموض، رغم كونه عنصر قوة مرحلي، ينذر في الوقت ذاته بإمكانية تحوّل الجنوب الليبي إلى مسرح جديد لصراع الوكالات، في ظل استمرار غياب إطار سياسي وأمني جامع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى