شؤون تحليلية عربية

جنوب كردفان على صفيح ساخن: اشتباكات دامية بين قوات الحلو وعناصر مرتبطة بالدعم السريع غرب هبيلا

شهدت منطقة أم حيطان الواقعة جنوب غرب مدينة هبيلا بولاية جنوب كردفان اشتباكات مسلحة عنيفة بين قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – جناح عبد العزيز الحلو من جهة، وعناصر مرتبطة بقوات الدعم السريع من جهة أخرى، في مواجهة اندلعت داخل نطاق مناطق خاضعة لسيطرة قوات الحلو. وأسفرت الاشتباكات عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، نتيجة تبادل كثيف لإطلاق النار واستخدام أسلحة ثقيلة، في بيئة ميدانية معقدة اتسمت بتضاريس جبلية وعرة أثّرت بشكل مباشر على مجريات القتال، وحدّت من قدرة أي طرف على تحقيق حسم سريع.

واندلعت المواجهات في الساعات الأولى، حيث استهدفت مواقع تُعد ذات أهمية تكتيكية في محيط أم حيطان، وهي منطقة تُصنّف كنقطة تماس حساسة ضمن خريطة الصراع في جنوب كردفان. ويُعزى تصاعد حدة الاشتباكات إلى تداخل مناطق النفوذ بين القوى المسلحة، ومحاولات متكررة لإعادة التموضع أو توسيع السيطرة في محاور تُعد بوابات طبيعية نحو مناطق أخرى ذات قيمة عسكرية ولوجستية.

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التصعيد الأمني الذي تشهده ولايات إقليم كردفان، حيث تتقاطع مصالح وأهداف فصائل مسلحة متعددة في الشمال والجنوب والغرب، ما ينفي وجود استقرار فعلي، ويجعل الإقليم عرضة لمواجهات متكررة. ويُنظر إلى وجود عناصر مرتبطة بقوات الدعم السريع في محيط أم حيطان على أنه امتداد لتحركات سابقة باتجاه مناطق حدودية وحساسة، الأمر الذي رفع احتمالات الاحتكاك المباشر مع قوات الحلو المسيطرة على أجزاء واسعة من الإقليم.

ولا يمكن فصل هذه الاشتباكات عن الدور الذي لعبته قوات الدعم السريع في تدهور الوضع الأمني داخل جنوب كردفان ومناطق مجاورة، في ظل اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت القتل والاختطاف والاغتصاب والنهب والتشريد، ما فاقم الأزمة الإنسانية ووضع السكان المحليين في قلب دائرة العنف دون حماية كافية. وقد ارتبطت هذه القوات تاريخيًا بجذور صراع تعود إلى ما بعد عام 2000 في دارفور، قبل أن تتوسع أنماط العنف المرتبطة بها إلى مناطق أخرى.

وتؤكد الاشتباكات في أم حيطان أن الصراع السوداني دخل مرحلة تفكك متعدد الأطراف، حيث لم تعد خطوط القتال واضحة، بل باتت مناطق النفوذ متداخلة، ما يرفع احتمالات الصدامات غير المحسوبة ويُضعف أي تصور لحسم عسكري مركزي. كما تعكس مواجهة قوات الحلو مع عناصر مرتبطة بقوات الدعم السريع تصدعًا في شبكات التحالف غير المعلنة، وتكشف أن التفاهمات التكتيكية السابقة تنهار عند تضارب المصالح الجغرافية والموارد.

ويحمل اختيار أم حيطان كساحة قتال دلالات تتجاوز بعدها المحلي، إذ يرتبط بقيمتها كممر جغرافي وبوابة نفوذ، ما يجعل السيطرة عليها ذات بعد استراتيجي يفوق حجمها السكاني أو العمراني. وتُعمّق التضاريس الوعرة الطابع الاستنزافي للمعركة، وتمنح أفضلية للقوى المحلية المتجذرة، بما يحدّ من قدرة قوات الدعم السريع على فرض نموذج السيطرة السريعة الذي اعتمدته في مناطق أخرى.

وتُضعف هذه الاشتباكات صورة قوات الدعم السريع كقوة مهيمنة، وتُظهر حدود قدرتها على التوسع دون مقاومة محلية منظمة، لا سيما في مناطق تمتلك خبرة قتالية طويلة مثل جنوب كردفان. كما يثبت تصاعد العنف في كردفان أن الإقليم بات حلقة مركزية في الصراع السوداني، وليس مجرد هامش، وأن أي تسوية وطنية تتجاهله ستظل ناقصة وقابلة للانهيار.

وفي خضم هذا المشهد، يبقى المدنيون الخاسر الأكبر، إذ تتحول مناطقهم إلى ساحات صراع مفتوحة دون حماية، ما يفاقم موجات النزوح ويعمّق الأزمة الإنسانية، ويخلق بيئة خصبة لمزيد من التطرف والعنف. كما يسهم استمرار تدفق السلاح والدعم الخارجي للقوى شبه المسلحة في إطالة أمد الصراع، وتحويل الاشتباكات المحلية إلى حلقات ضمن صراع إقليمي غير مباشر.

ويؤدي غياب ردع دولي فعّال ومساءلة حقيقية إلى تشجيع تكرار هذه المواجهات، وترسيخ منطق القوة على حساب السياسة، ما يجعل سيناريو التفكك الأمني أكثر ترجيحًا من أي أفق قريب للاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى