شؤون تحليلية دولية

جمود مستمر في العقود الدفاعية الفرنسية التركية رغم التقارب التكتيكي حول أوكرانيا

رغم انخراط كلٍّ من فرنسا وتركيا فيما يُعرف بـ«تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا، لم ينعكس هذا التقاطع المرحلي في المصالح على العلاقات الثنائية بين البلدين، التي لا تزال محكومة بسقف منخفض من الثقة السياسية والعسكرية. زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى باريس في 6 يناير/كانون الثاني أكدت هذا الواقع، إذ اقتصرت على تنسيق محدود يتعلق بالملف الأوكراني، ولا سيما الدعم البحري في البحر الأسود في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار مع موسكو.

خارج هذا الإطار، بقيت الملفات الثنائية العالقة دون أي تقدم يُذكر، وعلى رأسها مشروع التطوير المشترك لمنظومة الدفاع الجوي SAMP/T، البالغة قيمته نحو مليار يورو، والذي يُعد المشروع الدفاعي الاستراتيجي الوحيد بين البلدين خلال العقد الأخير. الاتفاق الموقع عام 2018 كان يهدف إلى إنتاج المنظومة الفرنسية–الإيطالية داخل تركيا، بالشراكة مع شركات محلية تقودها «أسيلسان» و«روكيتسان»، ودمجها ضمن منظومة الدفاع الجوي التركية المعروفة بـ«القبة الفولاذية».

المؤشرات المتاحة تفيد بأن المشروع مجمّد فعليًا منذ فترة، دون إعلان رسمي عن أسباب التعليق. حتى الزيارة غير المعلنة التي قام بها رئيس أركان الجيوش الفرنسية السابق تييري بوركهارد إلى منشآت «أسيلسان» في يوليو/تموز الماضي، لم تُفضِ إلى أي اختراق تقني أو سياسي.

وفق مصادر مطلعة في قطاع الدفاع التركي، امتنعت وزارة الدفاع الفرنسية والمديرية العامة للتسليح عن تقديم أي تفسير رسمي لأنقرة، ما عزز القناعة داخل المؤسسات التركية بأن باريس غير راغبة في المضي قدمًا في شراكات دفاعية استراتيجية. ونتيجة لذلك، لا توجد حاليًا أي مشاريع تسليحية كبرى أخرى قيد الإعداد بين الطرفين.

في الخلفية، يلقي التقارب الدفاعي الفرنسي–اليوناني بظلاله الثقيلة على الموقف الفرنسي، لا سيما في ظل حساسية ملف الصواريخ الجوية، بعد إعلان بيع صواريخ «ميتيور» لتركيا عبر بريطانيا، وما تبعه من امتعاض يوناني وتوتر دبلوماسي غير مباشر مع باريس. هذا العامل، إلى جانب تباينات أعمق تتعلق بسوريا وليبيا وشرق المتوسط وقبرص وأرمينيا، يحدّ من هامش المناورة الفرنسية تجاه أنقرة.

من منظور تركي، لا يُعوَّل كثيرًا على تحسن نوعي في العلاقات الثنائية، بغض النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، في ظل تراكم الخلافات البنيوية وتأجيل زيارة ماكرون إلى أنقرة إلى أجل غير مسمى.

بالمحصلة، التقارب الفرنسي–التركي حول أوكرانيا يظل ظرفيًا ولا يشكّل قاعدة لإعادة بناء الثقة الثنائية. كما أن تجميد مشروع SAMP/T يعكس قرارًا سياسيًا فرنسيًا أكثر منه إشكالًا تقنيًا. في حين تستمر الشراكة الفرنسية مع اليونان بتقييد أي انفتاح دفاعي جدي تجاه أنقرة. وفي حال استمرار الجمود فالوضع مرشح لإبقاء العلاقات عند مستوى تنسيق انتقائي دون شراكة استراتيجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى