في محاولة للنأي بالنفس عن الصراع، لبنان يعتقل المحرك المالي لفلول نظام الأسد المخلوع
أوقفت السلطات اللبنانية، قبل أيام المدعو “أحمد دنيا”، الذي يوصف بأنه “المحرك المالي” لكبار مساعدي رئيس النظام السوري المخلوع. وتكشف المعطيات أنه لم يكن مجرد لاجئ عادي، بل كان حلقة وصل حيوية في مخططات معقدة.
وأثبتت التحقيقات أن دنيا كان وسيطًا ماليًا رئيسيًا للملياردير “رامي مخلوف” ابن خال الرئيس المخلوع “بشار الأسد”، حيث أدار سجلات مالية ضخمة تضمنت جداول رواتب وإيصالات لمقاتلين.
وكشف تحقيق أجرته “رويترز” أن مخلوف أنفق ما لا يقل عن 6 ملايين دولار لتجهيز مقاتلين محتملين، شملت مبالغ ضخمة تجاوزت 976 ألف دولار في شهر واحد (مايو/أيار)، وتوزيع 150 ألف دولار لمجموعة تضم 5 آلاف مقاتل في أغسطس/آب.
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، سواء في لبنان وسوريا، تحاول الحكومة اللبنانية النأي بنفسها عن أي ارتباط مباشر بالصراع السوري وتداعياته، فتصريحات كبار المسؤولين اللبنانيين، بما في ذلك رئيس الجمهورية “جوزيف عون”، التي نفى خلالها أي وجود لضباط تابعين للنظام السوري السابق في لبنان، تأتي في سياق سعي الحكومة لتأكيد حيادها والابتعاد عن الصراعات الإقليمية، وهذه التصريحات تهدف إلى إبعاد شبهة التعاون أو التنسيق مع القوى الموالية للنظام السوري البائد.
وعلى الرغم من هذه التصريحات العلنية، يبدو أن هناك جهود مستمرة لكن غير معلنة، لتحجيم التأثيرات الأمنية التي قد تهدد استقرار لبنان بسبب محاولات بعض القوى المحسوبة على النظام السوري السابق من إعادة تموضعها داخل الأراضي اللبنانية، ووفق تقارير أمنية، فإن السلطات اللبنانية تعمل من تحت الطاولة على مسك الخيوط التي تربط هذه الشبكات الموالية للنظام السابق.
ويشير إلى ذلك عملية توقيف “أحمد دنيا”، الموصوف بأنه “المحرك المالي” لمساعدي الرئيس السوري المخلوع، ويأتي ذلك في سياق محاولات لبنان الحثيثة لمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لصراع جديد، فالتحقيقات أظهرت أن دنيا كان ضالعًا في تمويل عمليات غير قانونية، تسهم في دعم الأنشطة العسكرية للموالين للنظام السوري السابق، ويكشف عن حجم النشاط المالي المشبوه الذي كانت تعمل عليه بعض الشبكات السورية داخل لبنان.
وبينما تُحاول السلطات اللبنانية إظهار التزامها بالنأي بالنفس، فإنها تواجه ضغوطًا متعددة من الحكومة السورية الجديدة الذي يطالب بتسليم أكثر من 200 ضابط من فلول النظام السابق الذين فروا إلى لبنان بعد سقوطه، وعلى الرغم من النفي الرسمي لهذه المطالب، إلا أن تعقب وتوقيف رؤوس الشبكات المالية، مثل أحمد دنيا، يعكس رغبة لبنانية في الحد من أي نشاط مريب قد يعكر صفو الاستقرار الداخلي، ويؤكد أن لبنان تعلم بوجود ضباط من النظام السابق لكن لا تريد أن يأخذ الأمر بعدًا إعلاميًا يشوش على الخطوات التي يتخذها في محاولة التوازن بين معركته في الداخل مع حزب الله وبين التفاعل السياسي مع محيطه الإقليمي وخصوصًا سوريا.
من جهة أخرى، تسعى الحكومة اللبنانية من خلال هذه الإجراءات إلى إثبات جديتها في التعاون مع الحكومة السورية الجديدة، بهدف إقامة علاقة متوازنة، تحترم سيادة البلدين، بينما تضمن عدم تحويل لبنان إلى نقطة انطلاق لأي محاولات لزعزعة استقرار سوريا أو تعزيز وجود فلول النظام السابق على أراضيه، وهذه الإجراءات قد تبعث برسالة واضحة إلى المجتمعين الدولي والإقليمي بأن لبنان لن يكون جزءًا من أي مؤامرات تهدد استقرار الجار السوري، لكن ذلك يتطلب خطوات أكبر في المرحلة المقبلة ليس آخرها اعتقال “دنيا”، بل يتضمن ملفات عدة كتسليم الموقوفين السوريين في سجون لبنان، وتسليم ما يمكن تسليمه من ضباط النظام البائد.




