شؤون تحليلية عربية

تحرّك دبلوماسي دولي لكسر الجمود وإعادة إطلاق الحوار المهيكل الليبي خارج الأطر التقليدية

كشف دبلوماسيون مطّلعون أن تحالفًا سريًّا يضم دولًا من أوروبا ودول الخليج يعمل في الكواليس منذ أيام على صياغة مبادرة سياسية غير معلنة تهدف إلى إعادة إطلاق “الحوار المهيكل” في ليبيا عبر تعديل قواعد المشاركة، وإشراك فصائل هجينة من خارج الأطر التقليدية التي عُرضت في النسخ الأممية السابقة، في محاولة لكسر الجمود السياسي المزمن الذي يواجهه المسار الأممي.

وتشير المعطيات المتواصلة من مصادر مراقِبة إلى أن هذه المبادرة تأتي بعد نقد واسع لمسار الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، والذي يرى كثير من السياسيين المحليين بأنه لا يعالج الانقسام الحكومي العميق بين مجلسَي النواب والأعلى للدولة ولا يقدّم خارطة واضحة لانتخابات وطنية شاملة؛ وقد عبّر عن ذلك عدد من أعضاء مجلس الدولة الذين يرون أن الحوار الحالي يفتقر إلى رؤية سياسية واضحة ويعالج القضايا الهامشية بدل الجذور الأساسية للأزمة.

وبحسب هذه المصادر، فإن المبادرة السرّية تُركز على إعادة تشكيل آليات الحوار بإشراك أطراف سياسية ومجتمعية تُعتبر “جديدة أو هجينة”؛ أي ليست مفروضة أو معروفة بتركيبتها ضمن النخب التقليدية، في محاولة لكسر احتكار القضايا الأساسية من قبل المؤسسات الحالية. ويرى الدبلوماسيون المشاركون في صياغتها أن الحوار المهيكل كما هو لا يمكن أن يؤدي إلى انتخابات أو توافق سياسي حقيقي لأنه يفتقر إلى الشرعية لدى الأطراف المتنازعة، والتي شهدت مؤخرًا توتّرات حول قوانين الانتخابات واستمرار خلافات بشأن مجلس المفوضية العليا للانتخابات، وهو ما يعقّد تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي أطلقتها البعثة الأممية في أواخر 2025.

المبادرة التي لم تُكشف نصوصها أو أطرافها علنًا بعد، تُناقش في عواصم إقليمية وخارجية كبديل محتمل لإحدى مراحل الأزمة الليبية الراهنة، ومن المنتظر أن تشمل مجموعة من التنازلات السياسية وتوسيع نطاق المشاركة المدنية والمكوّنات الاجتماعية المختلفة، وهو ما يعكس رغبة في إعادة إحياء عملية الحوار بتمثيل أوسع يتجاوز التشكّك المحلي تجاه الحوار الحالي. وتنبع أهمية هذه الخطوة من تنامي الإحباط السياسي داخليًا، إذ عبّر محللون ليبيون عن شكوكهم في أنّ المسارات القائمة تحت مظلة الأمم المتحدة تستطيع وحدها كسر حالة الانسداد المستمرة منذ سنوات، ما دفع أطرافًا خارجية إلى عرض مبادرات أكثر مرونة قد تُعيد إحياء الثقة لدى الفاعلين الليبيين.

وفي ظل رفض بعض الأطراف مثل مجلسَي البرلمان ومجلس الدولة المتكرر لصيغ “الحوار المهيكل” القائمة وعدم تجاوبهم مع مقترحات بعثة الأمم المتحدة، فإن هذه المبادرة السرّية تعكس محاولة دولية لإدخال عناصر جديدة في المسار السياسي من شأنها خلق بيئة مفاوضات أكثر انفتاحًا، وربما تمهّد، إن نجحت، لإنشاء آليات انتقالية جديدة تفضي إلى انتخابات وطنية، وهو ما يعتبر، في حالة تحقيقه، انطلاقة سياسية بارزة في مواجهة الجمود الذي يرافق ليبيا منذ سنوات دون انفراجة حقيقية.

كسر الجمود السياسي وإعادة هندسة المشهد الليبي

تعكس المبادرة السرية المطروحة في الملف الليبي تراجع ثقة متزايد لدى القوى الإقليمية والدولية في جدوى المسار الأممي التقليدي، وسعيًا واضحًا لتجاوز حالة الجمود عبر إدخال فصائل هجينة يُنظر إليها باعتبارها أقل مقاومة للتسويات السياسية. ويُرجَّح أن يؤدي هذا التوجه، في حال نجاحه، إلى تعديل توازنات القوى المحلية وإعادة رسم ملامح الخارطة السياسية الليبية على المدى القصير، في ظل تراكم الإحباط من الصيغ السابقة التي رعتها الأمم المتحدة وفشلها في تحقيق اختراق عملي، بالتوازي مع استمرار النزاع العسكري بين الميليشيات.

إشراك هذه الفصائل الهجينة قد يرفع من احتمالات قبول الأطراف المحلية بالدخول في حوار سياسي أوسع، إلا أنه يحمل في المقابل مخاطر رفض من قبل القوى التقليدية التي ترى في الخطوة تهديدًا مباشرًا لمكتسباتها، ما قد يفضي إلى توترات سياسية إضافية أو احتجاجات محدودة. وتُعزّز الطبيعة السرية للمبادرة قدرتها على تفادي الضغوط الإعلامية والسياسية المباشرة، لكنها في الوقت ذاته تقلل من مستوى الشفافية وتفتح المجال أمام الشائعات والتسريبات، الأمر الذي قد يضع المشاركين تحت ضغوط قانونية ودبلوماسية في حال إخفاق المبادرة في تحقيق نتائج ملموسة.

وفي هذا الإطار، يشير تعديل قواعد المشاركة إلى محاولة لتهيئة بيئة تفاوضية أكثر مرونة، تشمل أطرافًا اجتماعية ومجتمعية أوسع، بما قد يسهم في تخفيف حدة الانقسامات بين المجلسين، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بتوفير ضمانات تحدّ من احتمالات الرفض المتكرر أو العرقلة الداخلية. كما أن إدخال عناصر جديدة في العملية السياسية قد ينعكس على إدارة الاستحقاقات الانتخابية، ويفتح الباب أمام إعادة النظر في تركيبة المفوضية العليا للانتخابات وقانون الانتخابات ذاته، وهي ملفات شديدة الحساسية وترتبط بقدرة المبادرة على اكتساب شرعية محلية كافية.

في المقابل، تظل المخاطر الأمنية المصاحبة لهذه الخطوة مرتفعة، إذ يمكن أن تستغل الميليشيات الرافضة أو الأطراف الخارجة عن القانون مسار المبادرة لعرقلة التقدم، ما يزيد من احتمالات التصعيد العسكري المحلي ما لم تُرفق العملية بترتيبات أمنية فعّالة. ورغم ذلك، فإن نجاح المبادرة قد يمهّد لإطلاق انتخابات وطنية مبكرة أو التوصل إلى توافق سياسي جزئي، بما يمنح المجتمع الدولي انطباعًا إيجابيًا حول اتجاه ليبيا نحو قدر من الاستقرار النسبي، ويعزز فرص الحصول على دعم إقليمي ودولي إضافي للمراحل اللاحقة.

وتبرز هذه المبادرة أيضًا تصاعد دور الدبلوماسية الموازية، حيث تتحرك قوى أوروبية وخليجية خلف الكواليس لتفادي الاحتكاك المباشر مع الفاعلين المحليين، في مقاربة تعكس تحولًا في أساليب الوساطة الدولية، يقوم على الموازنة بين الضغط السياسي والتنسيق السري مع الأطراف الليبية المؤثرة. ومع ذلك، تبقى احتمالية استمرار الجمود قائمة، خصوصًا في حال غياب حوافز واضحة للطرفين الرئيسيين في الصراع، إلا أن المبادرة تظل خطوة استراتيجية محورية لكسر حالة الركود السياسي التي طبعت المشهد الليبي خلال السنوات الماضية وإعادة قدر من الديناميكية إلى مسار الحوار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى