شؤون تحليلية عربية

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يعيد فتح ملف النفوذ التركي ويثير قلق هرجيسا

أثار الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في 26 ديسمبر حالة قلق متزايدة لدى سلطات هرجيسا إزاء الدور التركي المتنامي في المنطقة، لا سيما في ظل تحرك دبلوماسي تركي مضاد يهدف إلى احتواء تداعيات الخطوة الإسرائيلية والدفاع عن مبدأ سيادة الصومال.

تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي شدد فيها على وحدة الأراضي الصومالية ورفض أي اعتراف منفرد بأرض الصومال، قوبلت بامتعاض واضح في هرجيسا، حيث تُنظر أنقرة بوصفها العائق الأبرز أمام مساعي الاستقلال الدولي. وذهب بعض ممثلي أرض الصومال في الخارج إلى طرح خيار تعليق عمل القنصلية التركية مؤقتًا في هرجيسا، كإجراء رمزي للضغط السياسي.

حتى الآن، لم يقدم رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله (إيرو) على اتخاذ هذا القرار، نظرًا لكلفته السياسية والاقتصادية، واحتمال محدودية تأثيره. وتحتفظ تركيا بقنصلية في هرجيسا منذ عام 2014، يقودها حاليًا القنصل أوزان بيكين منذ سبتمبر 2025، في حين تُدار العلاقات الرسمية مع الحكومة الصومالية عبر السفارة التركية في مقديشو برئاسة ألبَر أكتاش.

الوجود القنصلي يعكس نفوذًا تركيًا محسوبًا يمتد إلى جانبي الخط الفاصل الفعلي بين الصومال وأرض الصومال، رغم الشراكة الاستراتيجية العميقة بين أنقرة ومقديشو. ويُكمل هذا الحضور نشاط مؤسسات تركية أخرى، من بينها مدارس «مؤسسة المعارف» المرتبطة بالحكومة التركية، والتي تولت إدارة مؤسسات تعليمية كانت سابقًا محسوبة على شبكة فتح الله غولن عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016.

اقتصاديًا، تنشط الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (TİKA) في تنفيذ مشاريع تنموية، من بينها تزويد مزارعين في إقليم الساحل بمعدات زراعية في أكتوبر 2025، وهو الإقليم الذي يضم ميناء بربرة الذي تديره شركة موانئ دبي العالمية. كما ترتبط أسواق أرض الصومال بعلاقات تجارية غير مباشرة مع تركيا عبر الصومال، حيث بلغت الصادرات التركية إلى الصومال عام 2024 نحو 362.6 مليون دولار، وفق بيانات رسمية تركية.

وتشير بيانات وزارة التجارة في أرض الصومال إلى أن تركيا تصدرت قائمة الدول المصدّرة إلى الإقليم بين عامي 2022 و2023، متجاوزة الإمارات، قبل أن تتراجع مجددًا في الفترة الأخيرة. وفي موازاة ذلك، تستثمر أنقرة في قطاع الطاقة، إذ باشرت السفينة التركية «أوروتش رئيس» عمليات استكشاف قبالة السواحل الصومالية في أكتوبر 2024، مع التخطيط لإرسال سفينة حفر مطلع 2026. وفي أرض الصومال، لا تزال شركة «جينل إنرجي»، ذات الملكية التركية غير المباشرة، تحتفظ بتراخيص استكشاف برية.

يعكس الاعتراف الإسرائيلي إعادة تموضع تركيا كخصم دبلوماسي مباشر لمشروع استقلال أرض الصومال، بعد أن كانت أنقرة لاعبًا غير تصادمي في هذا الملف. وفي هذا السياق، تبرز القنصلية التركية في هرجيسا كأداة نفوذ ناعمة يصعب على السلطات المحلية الاستغناء عنها، سواء على المستوى الخدمي أو السياسي. كما أن التشابك الاقتصادي والتجاري بين الطرفين يحدّ من هامش التصعيد السياسي ضد أنقرة، في وقت يمنح فيه انخراط تركيا المتزايد في قطاع الطاقة أوراق ضغط طويلة الأمد، تعزز قدرتها على التأثير في معادلات الصومال وأرض الصومال معًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى