شؤون تحليلية عربية

استمرار الانقسام السياسي الليبي يعمق أزمة المسار الانتخابي

صرّح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بأن أي مسار انتخابي لا يستند إلى توافق وطني شامل ولا يضمن إنهاء المراحل الانتقالية بشكل حقيقي سيكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة، مؤكدًا تمسك حكومته بإجراء انتخابات شاملة بعد الاتفاق على قاعدة دستورية واضحة.

وأضاف الدبيبة أن استمرار الانقسام المؤسسي يعرقل توحيد مؤسسات الدولة ويهدد الاستقرار الأمني، محذرًا من أن فرض حلول أحادية قد يعيد البلاد إلى مربع الفوضى.

في المقابل، صرّح رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بأن مسؤولية تعطيل الانتخابات تتحملها السلطة التنفيذية الحالية، معتبرًا أن المجلس أنجز ما عليه من تشريعات انتخابية، وأن الخلاف القائم لا يبرر استمرار الحكومة في السلطة دون تفويض شعبي.

وأكد صالح أن مجلس النواب متمسك بإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، داعيًا إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تشرف على الاستحقاق الانتخابي.

من جهته، قال القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، في كلمة نقلتها وسائل إعلام محلية، إن المؤسسة العسكرية لن تسمح بانزلاق البلاد مجددًا نحو الفوضى، مشددًا على ضرورة التوصل إلى حل سياسي ينهي الانقسام ويؤدي إلى انتخابات حقيقية تعبّر عن إرادة الشعب، مع التأكيد على دور الجيش في حماية الاستقرار ومنع أي اقتتال داخلي.

وفي سياق متصل، أصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بيانًا أعربت فيه عن قلقها البالغ من تجدد الخلافات بين المؤسسات الليبية، محذرة من أن استمرار الانقسام السياسي وعدم إحراز تقدم في توحيد السلطة التنفيذية قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الأمنية.

ودعت البعثة جميع الأطراف إلى تغليب المصلحة الوطنية والانخراط في حوار جاد يفضي إلى قاعدة دستورية توافقية.

عمق الأزمة السياسية

ويعكس تبادل التصريحات هذا عمق الأزمة السياسية في ليبيا، حيث لا يزال كل طرف يتمسك برؤيته الخاصة للمسار الانتخابي، ما يعطل أي اختراق فعلي نحو إنهاء المرحلة الانتقالية.

ويرى مراقبون أن غياب موقف موحد بين الفاعلين الرئيسيين، إلى جانب ضعف الضغوط الدولية الملزمة، يساهم في إبقاء المشهد الليبي عالقًا بين الجمود السياسي واحتمالات التصعيد الأمني.

إن تصاعد الخلاف بين الدبيبة وعقيلة صالح يعكس الأزمة الهيكلية في المؤسسات الليبية، إذ لم تُبنَ السلطة التنفيذية على قاعدة توافقية واضحة منذ انتهاء النزاع المسلح.

ويؤكد تدخل المشير خليفة حفتر دور المؤسسة العسكرية كفاعل مؤثر، ليس فقط في الشأن الأمني بل كطرف ضاغط في المفاوضات السياسية.

الجمود في المسار الانتخابي يزيد من احتمال عودة التوترات المسلحة، خاصة في المناطق التي تتنافس فيها الفصائل على النفوذ.

وتكشف تصريحات البعثة الأممية محدودية النفوذ الدولي في فرض حلول فورية، ما يعكس تعقيد التدخل الخارجي في ظل مصالح متضاربة للدول الفاعلة.

ويضعف استمرار الخلافات الداخلية الثقة بين الأطراف ويزيد صعوبة الوصول إلى قاعدة دستورية توافقية، وهو عامل رئيسي لتعثر الانتخابات.

إن استخدام كل طرف للانتخابات كورقة سياسية يوضح أن العملية لم تعد أداة ديمقراطية فحسب، بل أصبحت سلاح ضغط على المنافسين.

وينعكس الجمود السياسي مباشرة على الاقتصاد والخدمات، ما يزيد السخط الشعبي ويخلق أرضية لمزيد من النزاع الاجتماعي والسياسي.

إن ضعف التنسيق بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة يفتح المجال للتدخلات الإقليمية غير المنسقة، ما يعرقل أي مسار استقرار فعلي.

الاعتماد على التصريحات الإعلامية بدلاً من إجراءات ملموسة يعكس نهجًا تكتيكيًا مؤقتًا، لكنه يترك الباب مفتوحًا للمزيد من الانقسامات.

ويضع الانقسام المؤسسي ليبيا أمام خطر إعادة إنتاج أزمة الدولة، إذ أن تشتت السلطة التنفيذية يؤدي إلى ضعف سيطرة الدولة على مؤسساتها الحيوية.

التحدي الأكبر يكمن في قدرة الأطراف على تجاوز المصالح الشخصية واستبدالها بالمصلحة الوطنية، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن ويحدد مستقبل الاستقرار السياسي.

ويرى المراقبون أن أي تأجيل إضافي للانتخابات قد يحول المرحلة الانتقالية إلى أزمة ممتدة، ويجعل ليبيا عرضة لتصاعد التوترات المسلحة والإقليمية على حد سواء.

ويتطلب الحل المستدام إرادة سياسية حقيقية من كل الأطراف، مدعومة بآليات دولية فاعلة، لضمان توحيد السلطة التنفيذية وإطلاق مسار انتخابي نزيه وقابل للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى