شؤون تحليلية عربية

السودان أمام مسار تفاوضي إقليمي جديد

في لقاء مع مستشار رئيس مجلس وزراء السودان “محمد محمد خير”، أفاد بوجود توجه متقدم نحو فتح مسار تفاوضي سياسي تقوده رئاسة مجلس الوزراء الحالية، برئاسة كامل إدريس، مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في سياق معالجة التعقيدات المرتبطة بالحرب الجارية في السودان.
يأتي هذا المسار في ظل تصاعد الاتهامات الرسمية من الخرطوم لأبوظبي بتقديم دعم مباشر وغير مباشر لقوات الدعم السريع في مواجهتها مع الجيش السوداني.

تحركات دبلوماسية غير مباشرة لإعادة فتح قنوات التواصل

وتشير المعطيات إلى أن هذا التحرك السياسي جاء عقب اجتماعات منفصلة عقدتها مستشارة الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مع أطراف معنية، وتركزت النقاشات حول إمكانية إحياء أو إعادة بحث تفاهمات سابقة بين أطراف الصراع، ضمن إطار يهدف إلى خفض التصعيد وفتح مسارات تسوية جزئية.

وتفيد المعلومات بأن الحكومة السودانية تمتلك ما تصفه بأدلة موثقة تتعلق بدعم إماراتي لقوات الدعم السريع، في حين مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على أبوظبي لوقف أي دعم مباشر لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، مع حصول واشنطن على ضمانات بهذا الشأن.
في المقابل، وضع الجيش السوداني جملة اشتراطات لأي انخراط سياسي مع الإمارات، أبرزها التزام أبوظبي بدعم جهود إعادة الإعمار، والمساهمة في تشغيل عدد من المطارات الحيوية، إضافة إلى دعم المتضررين من الحرب بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، طلب القائد العام للجيش السوداني من رئيس مجلس الوزراء الشروع في تشكيل لجان فنية وأمنية متخصصة، تتولى إعداد آلية واضحة للتعامل مع الجانب الإماراتي، ودراسة ملابسات ومستويات انخراطه في الصراع، تمهيدًا لأي جلسات تفاوضية محتملة.
وتشير المعطيات إلى أن أبوظبي قدمت ورقة عمل أولية، تضمنت عقد سلسلة اجتماعات مكثفة في جيبوتي خلال الأسبوع الماضي، شارك فيها السفير السوداني إلى جانب مبعوث شخصي لقائد الجيش برتبة لواء.
وتركزت النقاشات خلال هذه الاجتماعات على عدد من الملفات الحساسة، في مقدمتها مقترح دمج قوات الدعم السريع ضمن بنية الجيش السوداني، باعتباره مدخلًا لمعالجة الوضع العسكري.

كما شهدت الاجتماعات إقرارًا إماراتيًا محدودًا بإيصال مساعدات إنسانية إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، دون تقديم توضيحات دقيقة حول طبيعة هذه المساعدات، وما إذا كانت تقتصر على البعد الإنساني أو تتضمن أبعادًا لوجستية أخرى.

وتضمنت ورقة العمل كذلك مقترحات تتعلق بإعادة ما سُمي note: “الشرعية السياسية”، عبر طرح خيار إعادة حكومة عبد الله حمدوك، مقابل ترتيبات موازية تتعلق بإنهاء أو تفكيك سلطة الدعم السريع في إقليم دارفور.

إعادة ضبط التوازنات السياسية والعسكرية في السودان

تعكس هذه التطورات محاولة لإعادة ضبط التوازنات السياسية والعسكرية في السودان عبر مسار تفاوضي غير مباشر، تقوده اعتبارات دولية وإقليمية متشابكة.

التحرك نحو فتح قناة مع الإمارات، رغم الاتهامات الثقيلة الموجهة لها، يشير إلى إدراك داخل المؤسسة العسكرية السودانية لصعوبة الحسم العسكري المنفرد، والحاجة إلى مقاربة براغماتية تُخفف الضغوط الخارجية وتعيد ترتيب الأولويات الداخلية.

الضغط الأمريكي على أبوظبي يكشف عن سعي واشنطن لمنع تحول السودان إلى ساحة نفوذ مفتوحة خارج السيطرة، خصوصًا في ظل حساسية البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

في المقابل، تحاول الإمارات إعادة تموضعها سياسيًا عبر ورقة “المساعدات الإنسانية” وطرح مقترحات سياسية، بما يسمح لها بتقليص كلفة الاتهامات الموجهة إليها دون التخلي الكامل عن أوراق التأثير التي راكمتها خلال الصراع.
مقترح دمج قوات الدعم السريع في الجيش، رغم كونه مطروحًا نظريًا، يحمل مخاطر بنيوية عالية، إذ قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة داخل المؤسسة العسكرية بدل حلها، ما لم يُرافق بإصلاح أمني عميق وتفكيك فعلي لاقتصاد الحرب وشبكات النفوذ.

أما طرح إعادة حكومة حمدوك، فيعكس محاولة لاستخدام الغطاء المدني لإعادة تسويق تسوية سياسية، قد تصطدم برفض قوى داخلية واسعة ترى في ذلك تجاوزًا لمسار الصراع القائم وتضحياته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى