شؤون تحليلية عربية

المعارضة التونسية تنظم احتجاجات واسعة ضد حكم الرئيس قيس سعيّد

شهدت العاصمة تونس ومدن أخرى مظاهرات واسعة قادتها قوى معارضة وجمعيات ونشطاء من خلفيات سياسية مختلفة، احتجاجاً على ما وصفوه بـ”الحكم الفردي” للرئيس قيس سعيّد، وطالب المتظاهرون بعودة المسار الديمقراطي واستعادة الحريات وإطلاق سراح السجناء السياسيين.

سياق الاحتجاجات

وجاءت الاحتجاجات في أعقاب سلسلة من الإجراءات التي اتخذها الرئيس سعيّد منذ 2021، شملت استحواذه على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتعديلات دستورية أفضت إلى تركيز السلطة في يده، الأمر الذي انتقدته أحزاب المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان باعتباره تراجعاً كبيراً في الديمقراطية وحرية التعبير وحرية التجمع.

وأكدت المعارضة أن سبب التصعيد الحالي يعود جزئياً إلى الحكم الصادر في 12 ديسمبر 2025 بسجن الزعيمة السياسية المعارضة عبير موسي لمدة 12 عاماً، في قضايا وصفتها المعارضة والمنظمات الحقوقية بأنها سياسية وتستهدف إسكات صوتها، إلى جانب استمرار الملاحقات القضائية ضد عدد من المعارضين البارزين بتهم تتعلق بـ”التآمر على الدولة”.

ورغم تشرذم المعارضة في السنوات السابقة، شهدت الاحتجاجات الأخيرة توحّداً وتنسيقًا غير مسبوق بين الأحزاب، الجمعيات الحقوقية، ناشطي المجتمع المدني، والشباب، مؤكدين أن التحركات الفردية السابقة لم تكن كافية لمواجهة ما يصفونه بتقويض الديمقراطية.

ورفع المتظاهرون شعارات مثل: ”المعارضة ليست جريمة”، ”الحرية لتونس” و”الشعب يريد إسقاط النظام”، مطالبين بوقف استخدام القضاء والأجهزة الأمنية لتهميش المعارضة.

في المقابل، نفت السلطة الحالية اتهامات الحكم الفردي أو القمع المنهجي، معتبرة أن الإجراءات المتخذة ضرورية للحفاظ على الأمن والاستقرار، لكن مراقبين حقوقيين يرون أن هذه السياسات تهدد مسار تونس الديمقراطي وتفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية في البلاد.

دلالات الاحتجاجات

التحرك الأخير يعكس إدراك الأحزاب المختلفة أن الانفراد بالسلطة من قبل سعيّد يستدعي استراتيجية موحدة، ما يضع المعارضة في موقع أكثر تأثيراً على الساحة السياسية رغم القيود القانونية والقضائية المفروضة عليها.

سجن عبير موسي ومعارضين آخرين يعكس تحول القضاء إلى أداة سياسية، ما يزيد الاحتقان ويعزز الحاجة لخطوات احتجاجية منسقة لكسر سيطرة السلطة على المجال السياسي.

المشاركة الكبيرة للناشطين الشباب والجمعيات الحقوقية تشير إلى إعادة تفعيل المجتمع المدني، وتحويله إلى قوة ضاغطة توازن بين الدولة والمجتمع في غياب المؤسسات الديمقراطية التقليدية.

التركيز الفردي للسلطة يضعف آليات الرقابة والمساءلة، ويخلق بيئة غير مستقرة سياسياً، قد تؤدي إلى استمرار الاحتجاجات وتصاعد الضغط الداخلي، ما يستدعي استراتيجيات حكم أكثر مرونة لتجنب التصعيد.

ويثير المشهد التونسي اهتمام المنظمات الدولية وفاعلي السياسة الإقليمية، حيث يُنظر إلى استقرار تونس كمؤشر لأمن شمال أفريقيا، ويزيد الضغوط على سعيّد لإظهار التزامه بالإصلاحات الدستورية والمبادئ الديمقراطية.

إذا استمر التضييق على المعارضة، فقد تتحول الاحتجاجات الحالية إلى حركة مستمرة وواسعة، مع مخاطر اندلاع صراعات اجتماعية أوسع، ما يستدعي فتح حوار سياسي شامل قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى