مشروع “سوفا 53”.. توسع إسرائيلي ممنهج داخل القنيطرة السورية
شهدت محافظة القنيطرة خلال الأشهر الأخيرة تصعيداً ميدانياً إسرائيلياً تمثل بسلسلة توغلات عسكرية متكررة داخل القرى الواقعة في أرياف المحافظة الجنوبية والأوسط والشمالية، ترافق مع استمرار العمل في مشروع “سوفا 53” داخل المنطقة العازلة، ما اعتُبر خرقاً واضحاً لاتفاقية فضّ الاشتباك الموقعة عام 1974، ومحاولة إسرائيلية لإعادة رسم خطوط السيطرة في الجنوب السوري.
أنواع الانتهاكات الإسرائيلية
رصدت مصادر “بوليتكال كيز | Political Keys” توغلات إسرائيلية متكررة باتجاه قرى أم اللوقس، صيدا الحانوت، الحميدية، بئر عجم، رويحينة، الصمدانية الشرقية، ورسم الحلبي، حيث نصبت القوات الإسرائيلية حواجز مؤقتة، وفتشت المارة، وصوّرت هوياتهم الشخصية.
كما وثّقت عمليات تجريف في حرش الشحّار بريف القنيطرة الشمالي لتوسيع الطرق العسكرية، بالتزامن مع تركيب أجهزة مراقبة جديدة في محيط دوار العلم والبناء المهجور في الحميدية.
تشير المعلومات التي اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” إلى وجود تشكيل عسكري جديد داخل المنطقة العازلة، إذ ظهرت آليات إسرائيلية ترفع راية بيضاء تحمل نسرًا أحمر، بخلاف شعار لواء “غولاني” الذي اعتيد استخدامه سابقاً، كما رُصدت رافعات تنقل غرفاً مسبقة الصنع، يُعتقد أنها لمواقع مراقبة إضافية.
وبلغ عدد المعتقلين لدى قوات الاحتلال في محافظة القنيطرة أكثر من 40 شخصاً، بينهم قاصران، ويُحتجزون في سجن عوفر دون توجيه اتهامات رسمية، تحت بند “مقاتل غير شرعي”.
ومن بين المعتقلين البارزين: أبو الليث الكريان وزيدان الطويل، إضافة إلى معتقلين سابقين من سجني صيدنايا ودرعا.
بالتوازي، تشهد قرى الحميدية، القحطانية، والحرية نشاطاً استخباراتياً تحت غطاء “مساعدات إنسانية”، يشمل جمع معلومات حول السكان وممتلكاتهم، في ظل تحركات يقودها ضابطان إسرائيليان بارزان: أبو داوود (المسؤول العسكري في قاعدة الحميدية)، وأبو إبراهيم اليمني (المسؤول العسكري في ريف القنيطرة الأوسط).
القواعد الإسرائيلية الثابتة في المنطقة العازلة تبلغ تسع قواعد، أبرزها: تل أحمر غربي، العدنانية، القنيطرة المهدمة، الحميدية، ومحمية جباثا الخشب، وتُستخدم لمهام الرصد والمراقبة والدعم اللوجستي.
مشروع سوفا 53
أما مشروع “سوفا 53”، أو ما يُعرف بـ“العاصفة الكبرى”، فهو مشروع هندسي–عسكري تنفذه إسرائيل منذ منتصف عام 2022 ضمن منطقة فضّ الاشتباك، يمتد من أطراف بلدة حضر حتى المثلث الحدودي جنوباً.
يهدف المشروع إلى شق طريق عسكري بعرض 8 أمتار محصن بسواتر ترابية بارتفاع 5 أمتار، مزوّد بخنادق ونقاط مراقبة. وقد استأنفت إسرائيل العمل به أواخر عام 2024 عقب سقوط النظام السابق، مستغلة الفراغ الأمني في الجنوب السوري.
التوغلات الأخيرة داخل المنطقة العازلة تراوحت بين 300 و1000 متر، وأدت إلى الاستيلاء على نحو 13 ألف دونم من الأراضي الزراعية في قرى جباثا الخشب، الحميدية، الحرية، وبئر عجم، وتدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي والمراعي، ما تسبب بخسائر اقتصادية كبيرة للسكان المحليين.
استراتيجية إسرائيل في الجنوب السوري
تشير المعطيات الميدانية إلى أن التحركات الإسرائيلية في القنيطرة ليست عمليات محدودة بل جزء من استراتيجية إعادة تموضع دفاعي وهجومي في الجنوب السوري، بهدف إنشاء منطقة أمنية عازلة موسعة تحاكي التجربة الإسرائيلية السابقة في جنوب لبنان.
يبدو أن مشروع “سوفا 53” يمثل الركيزة الهندسية لهذه الاستراتيجية، إذ يسعى إلى تعزيز العمق الدفاعي الإسرائيلي ضد أي نشاط محتمل لإيران أو المجموعات الحليفة لها، مع ترسيخ وجود ميداني دائم داخل الأراضي السورية.
وتزامن التوغلات مع عمليات الاعتقال والاستطلاع البشري والميداني يشير إلى تحول أمني استخباراتي منضبط، يعتمد على جمع بيانات دقيقة عن السكان والبنية الجغرافية والمواقع الحيوية، مما يمهّد لمرحلة تخطيط طويل الأمد يكرّس واقع السيطرة داخل المنطقة العازلة.
كما أن استغلال الانشغال السوري الداخلي بعد سقوط النظام السابق مكّن إسرائيل من توسيع نطاق مشروعها دون ردود فعل ميدانية مؤثرة، فيما تبدو المفاوضات الجارية بين الجانبين محدودة التأثير حتى الآن، مع استمرار العمل في “سوفا 53”.
ختاماً، يعكس التصعيد الإسرائيلي في القنيطرة تحول الجنوب السوري إلى مسرح صراع هندسي–استخباراتي، يهدف لتغيير قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني جديد، ستكون له تداعيات مباشرة على سيادة سوريا واستقرار الجبهة الجنوبية في المدى المتوسط والبعيد.




