شؤون تحليلية عربية

تحركات أمريكية غير اعتيادية في البادية السورية.. وبوليتكال كيز تكشف التفاصيل

شهدت الساحة السورية خلال الأيام الأخيرة تطورات ميدانية لافتة، تمثلت في تحركات عسكرية أميركية غير مسبوقة في مدينة تدمر ومحيطها، بالتزامن مع عملية إنزال جوي في مدينة الضمير بريف دمشق.

وتأتي هذه التطورات في وقتٍ يتزايد فيه الحديث عن إعادة تموضع القوات الأميركية في سوريا بعد أشهر من الغموض بشأن نيات الانسحاب أو تقليص الانتشار، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول الاستراتيجية الأميركية المقبلة في قلب البلاد، وتحديدًا في البادية السورية ذات الموقع الحساس بين دمشق ودير الزور.

نشاط ميداني غير مسبوق في البادية السورية

شهدت مدينة تدمر ومحيطها خلال الأيام الأخيرة تحركات عسكرية أميركية وُصفت بغير المسبوقة، ما أثار تكهنات حول نية واشنطن إنشاء قاعدة جديدة في عمق البادية السورية.

تزامنت هذه التحركات مع نشاط جوي مكثف لطائرات استطلاع أميركية فوق المنطقة، دون صدور أي تعليق رسمي من واشنطن أو من سلطات دمشق.

تفاصيل التحركات الميدانية

وفقًا لتقارير ميدانية اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys”، نفذت القوات الأميركية تحركات عسكرية في محيط مدينة تدمر شملت وصول طائرات مروحية ومدرعات قادمة من قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، من دون مرافقة سورية رسمية.

وأكد شهود محليون دخول وحدات أميركية إلى المدينة وتجولها داخلها مرورًا بقلعتها الأثرية، تزامنًا مع تحليق طائرات مسيّرة على ارتفاعات منخفضة يُعتقد أنها نفذت عمليات استطلاع وتصوير جوي.

وبعد ساعات، انسحبت القوات باتجاه قاعدة التنف من دون وقوع اشتباكات أو إصدار بيانات توضح الهدف من العملية.

احتمال إنشاء قاعدة جديدة

رجّحت مصادر مراقبة أن تكون الجولة جزءًا من دراسة ميدانية لإنشاء قاعدة عسكرية أميركية جديدة في محيط تدمر، ضمن خطة لتوسيع نطاق الانتشار العسكري الأميركي الذي يتركز حاليًا في قاعدة التنف ومناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

تُعدّ تدمر موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية على الطريق الدولي بين دمشق ودير الزور، وتشكل بوابة طبيعية إلى عمق البادية السورية، ما يجعلها نقطة مناسبة لأي انتشار عسكري يستهدف مراقبة تحركات المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في المنطقة.

عملية إنزال في الضمير

في موازاة التحركات في تدمر، شهد ريف دمشق (المحاذي للبادية) عملية نوعية هي الأولى من نوعها منذ أعوام، حيث نفّذ التحالف الدولي عملية إنزال جوي في مدينة “الضمير” أسفرت عن اعتقال “أحمد عبدالله المسعود البدري” (47 عامًا)، أحد أبرز عناصر تنظيم داعش الذين اختفوا لسنوات في بادية الشامية.

العملية نُفذت بمشاركة قوات خاصة من وزارة الدفاع السورية وطائرات مروحية وحربية تابعة للتحالف، ما يشير إلى مستوى تنسيق ميداني غير مسبوق بين واشنطن ودمشق منذ عودة الاتصالات الأمنية المحدودة بين الطرفين.

وبحسب مصادر ميدانية، فإن المسعود كان قد عاد إلى الضمير بعد سقوط نظام الأسد واستقر فيها، قبل أن يُعتقل فجر أمس خلال العملية الأمنية.

وفي أول تعليق رسمي، كتب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “توماس باراك” عبر منصة “إكس”: “سوريا عادت إلى صفنا” — في إشارة إلى تحول محتمل في خريطة التحالفات الميدانية داخل البلاد.

بين الانسحاب وإعادة التموضع

تأتي هذه التطورات في وقت تتباين فيه المؤشرات حول مستقبل الوجود الأميركي في سوريا.

ففي سبتمبر الماضي، نشرت مجلة “فورين أفيرز” تقريرًا حذر من احتمال عودة تنظيم داعش مستغلًا التراجع الأميركي الميداني، مشيرةً إلى أن الفراغ الأمني والسياسي بعد سقوط نظام الأسد أتاح للتنظيم هامش حركة أكبر.

أشار التقرير كذلك إلى أن واشنطن تدرس إعادة تموضع قواتها بدلاً من الانسحاب الكامل، لتتمكن من مواجهة تمدد داعش ومراقبة الممرات الإيرانية في الوقت نفسه.

تصاعد عمليات داعشوفي البادية ودير الزور

نفذ تنظيم داعش منذ مطلع العام 164 عملية في دير الزور من أصل 193 في شمال وشرق البلاد.

وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 48 عسكريًا و13 مدنيًا، إضافة إلى عناصر من التنظيم ومتعاونين مع “قسد”، وإصابة نحو 58 شخصًا بينهم أفراد من قوات الأمن الداخلي “الأسايش”.

تشير هذه الأرقام إلى أن التنظيم لم يُهزم نهائيًا بل غيّر تكتيكاته، معتمدًا على أساليب أكثر مرونة وسرية.

دلالات التحركات الأخيرة

التحركات الأميركية الأخيرة في تدمر تمثل أكثر من مجرد إعادة تموضع لمراقبة نشاط داعش أو المجموعات الإيرانية.

المنطقة صارت عمليا تحت السيطرة الأميركية، مع إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة، ما يعكس استراتيجية واضحة لرسم “خط نفوذ” يمنع أي تمدد عسكري خارجي في عمق سوريا.

هذا الخط يهدف بشكل خاص إلى منع تركيا (ولو بشكل غير معلن) حيث لن يُسمح لها بأي وجود عسكري يتجاوز حدود تدمر، حتى في دمشق العاصمة، في حين أن أي محاولات تركية للتمركز في درعا أو غيرها من المناطق ستواجه قيوداً صارمة.

الدافع الأميركي وراء هذه الإجراءات مرتبط مباشرة بحماية الأمن الإسرائيلي، إذ تعتبر واشنطن تثبيت النفوذ في تدمر عاملاً أساسياً لردع أي تهديدات إقليمية.

وتضمن هذه الخطوة أيضاً تعزيز قدرات المراقبة الاستخباراتية والعملياتية، وتسهيل التنسيق مع الشركاء المحليين في المنطقة، بما في ذلك القوات التابعة للتحالف الدولي وقسد، لضمان استقرار خطوط النفوذ وحماية المصالح الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى