شؤون تحليلية عربية

لإعادة تشكيل الواقع الأمني.. إسرائيل تدعم ميليشيا فلسطينية مسلحة في غزة

كشف تحقيق استخباراتي اطلعت عليه “بوليتكال كيز | Political Keys”، عن تفاصيل جديدة حول دعم إسرائيل لمجموعة فلسطينية مسلحة سابقة تُعرف باسم “القوات الشعبية” تحت قيادة “ياسر أبو شَبّاب” والتي كانت سابقًا عصابة نهب، بما في ذلك تزويدها بالمال والأسلحة والمساعدات الإنسانية الموجهة من مؤسسات دولية.

وتأتي هذه التحركات في إطار سعي إسرائيل لتشكيل الواقع الأمني والسياسي في قطاع غزة بعد الحرب الأخيرة.

تفاصيل الدعم الإسرائيلي للقوات الشعبية

رصد التحقيق أن القوات الشعبية تتلقى الغذاء من مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة أمريكيًا، رغم إعلان المنظمة حيادها.

ويُوزع الطعام على أفراد المجموعة أولًا، فيما يُعاد توزيعه على السكان في رفح وخان يونس، بعض مقاطع الفيديو التي وثقها التحقيق تظهر أكياسًا غذائية مغلّفة بالكامل في معسكر القوات الشعبية.

وأكد “سام روز” مدير الأونروا في غزة، أن تقديم المساعدات مباشرة لفصيل مسلح يُعد انتهاكًا صارخًا للمبادئ الإنسانية، التي تنص على توزيع المساعدات على أساس الحاجة فقط دون تمييز أي طرف.

وتُظهر متابعة التحقيق أن القوات الشعبية حصلت على سيارات دفع رباعي ودراجات نارية، بعضها يحمل لوحات إسرائيلية أو إماراتية قبل وصولها للمخيم.

تُستخدم هذه المركبات لتعزيز قدرة القوات الشعبية على التحكم بالمناطق الاستراتيجية، ولتنفيذ عمليات مواجهة ضد خصومهم من حركة حماس.

وقد أشار “حسن أبو شَبّاب” أحد قياديي القوات، إلى أن حسابًا على تيك توك مرتبط بتاجر سيارات إسرائيلي يرسل المركبات ويشرح كيفية إزالة اللوحات عند الوصول.

وتتم عملية إدخال الإمدادات عبر معبر كرم شالوم، حيث يتم تقديم طلبات إلى مكتب تنسيق تديره السلطة الفلسطينية، تتواصل بدورها مع الأمن الإسرائيلي، الأمن المصري، والأردني لضمان مرور المواد بشكل آمن.

وقد أكد أحد الجنود الإسرائيليين في التحقيق أن إسرائيل تضمن وصول الغذاء والأسلحة إلى القوات الشعبية عبر آلية رسمية، في حين تراقب وحدة 585 الإسرائيلية المعروفة بوحدة الاستطلاع الصحراوي المعبر نفسه، لضمان أمان التوريد.

البنية الاجتماعية والعسكرية للمليشيات

يقيم نحو 1500 شخص في معسكر القوات الشعبية، منهم 500-700 مقاتل، بينما ارتفع عددهم إلى نحو 3000 بعد تجنيد عناصر إضافية مؤخرًا.

ويعد موقع المعسكر استراتيجيًا، إذ يمر منه طريق شاحنات المساعدات إلى غزة، ويعرف من قبل المسؤولين باسم “زقاق اللصوص”.

أظهرت تقارير الأمم المتحدة أن القوات الشعبية قامت بنهب شاحنات المساعدات بشكل منهجي، مستفيدة من تهريب السجائر التي يحظر دخولها رسميًا إلى غزة، وأحيانًا يصل سعر السيجارة الواحدة إلى 20 دولارًا.

وفيما يلي صور حصلت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys” حول أماكن تواجد المليشيات:

التفاعل مع حماس والصراعات الداخلية

شهدت المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات الشعبية اشتباكات متكررة مع حركة حماس.

وأوضح “حسن أبو شَبّاب” أن المجموعة استهدفت شحنات يعتقد أنها موجهة لحماس، بينما اتهمتهم الأخيرة بالسرقة، هذه الاشتباكات أدت إلى سقوط قتلى، بينهم 54 من أقارب وأعضاء القوات الشعبية.

الخلفية السياسية والاستراتيجية

يعكس دعم إسرائيل للقوات الشعبية استراتيجية “فرق تسد”، تهدف إلى تقسيم قطاع غزة سياسيًا وعسكريًا لتقليل نفوذ حماس، وخلق انقسامات محلية بين الفلسطينيين.

ويوضح المحلل “أمجد عراقي” أن الهدف هو إزالة السيطرة الهيكلية لأي فصيل، بينما يصف “نوريف غوردون” أستاذ القانون الدولي، هذا النهج بأنه استغلال لمفهوم فرق تسد لضمان استمرار نفوذ إسرائيل على الأرض بعد الحرب.

تاريخ القادة وتأثيرهم

تتضمن قيادة القوات المليشيات شخصيات ذات خلفيات متطرفة، مثل “عصام نباهين” المرتبط سابقًا بتنظيم الدولة قبل انتقاله للقوات الشعبية، ما يعقد التقييم القانوني الدولي لدور إسرائيل في دعم هذه المجموعة.

وقد شمل التفاعل العسكري الإسرائيلي مع هذه المجموعة تدخلات مباشرة في إدارتها اللوجستية وتوزيع الإمدادات.

السيطرة على الواقع بعد الحرب

بينما تستمر المفاوضات حول إدارة غزة بعد الحرب، تهدف إسرائيل لضبط الواقع على الأرض عبر دعم القوات الشعبية، بما يشمل إصلاح المناهج وإدارة مناطق النفوذ وحتى إجراء استفتاءات حول التطبيع.

ويعكس هذا النهج نهجًا استراتيجيًا طويل الأمد لضمان نفوذ مستدام، وتحقيق توازن داخلي بين الفصائل الفلسطينية.

يُظهر هذا التحقيق أن إسرائيل تستخدم دعمًا متعدد الأبعاد – غذاء، أسلحة، تمويل، بنية تحتية – لتوجيه المليشيات المتحالفة معها وفق استراتيجيتها، مما يرفع من جاهزيتها لمواجهة حماس محليًا.

السيطرة على مناطق استراتيجية مثل “زقاق اللصوص” تجعل القوات الشعبية قادرة على اعتراض وتوجيه قوافل المساعدات، ما يضعها في موقع قوة داخل غزة.

من منظور عملي، يمكن لحماس مواجهة هذا التحدي عبر تعزيز قدراتها المحلية في الرقابة على المعابر، تطوير شبكات استخباراتية داخلية، وزيادة التجنيد والتأهيل العسكري، بهدف موازنة النفوذ المكتسب للقوات الشعبية.

كما يظهر أن السيطرة على مصادر التمويل واللوجستيات ستكون عاملًا حاسمًا لتقويض قدرة القوات الشعبية على الاستفادة من الدعم الإسرائيلي، وتأمين الموازنة العسكرية والسياسية داخل القطاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى