شؤون تحليلية دولية

بالدليل والتحليل.. بوليتيكال كيز تكشف بنية “الجيش الإلكتروني الإيراني”

يُعَدّ الفضاء السيبراني أحد أبرز ميادين الصراع المعاصر بين الدول، حيث تحوّل من وسيلة تواصل ومعرفة إلى ساحة للحرب المعلوماتية والتأثير النفسي، وفي هذا الإطار، برزت إيران بوصفها من أكثر الأنظمة التي استثمرت في تطوير أدوات الحرب الإلكترونية والدعاية الرقمية، سعيًا لتشكيل الرأي العام داخليًا وخارجيًا، والدفاع عن رواياتها الرسمية في مواجهة ما تصفه بـ”الحرب الناعمة” التي تستهدفها.

يتناول هذا التقرير بالدليل والتحليل بنية “الجيش الإلكتروني الإيراني” وتطوّره التاريخي، مستندةً إلى وثائق رسمية وتصريحات حكومية وتقارير دولية ومحلية، وتهدف إلى كشف طبيعة هذا الجهاز المنظَّم، وآليات تمويله، وأدواره في الحملات الإعلامية والسيبرانية، خصوصًا في أوقات الأزمات والاحتجاجات الداخلية، كما تُبرز كيف تحوّل النشاط الإلكتروني من مبادرات متفرقة إلى منظومة مؤسسية متكاملة تعمل ضمن هيكل الدولة وأذرعها العسكرية والإيديولوجية.

حصلت “بوليتكال كيز | Political Keys” على معلومات تفيد بأن النظام الإيراني ينفق سنويًا مبالغ ضخمة من المال العام لنشر المعلومات المضللة والتلاعب بالرأي العام عبر ما يُعرف بـ”الجيش الإلكتروني”.

وبحسب تحقيقات -اطلعنا على نتائجها- فإن تصريحات “عباس عراقجي”، وزير الخارجية الإيراني، بشأن عدم إنفاق طهران أموالًا لترويج الأكاذيب على شبكات التواصل الاجتماعي، غير صحيحة.

وأظهرت مراجعة الوثائق الرسمية والتصريحات الحكومية والتقارير الإعلامية المحلية والدولية وجود منظومة إلكترونية حكومية وشبه حكومية منظمة في إيران، تعمل منذ سنوات بتمويل وتوجيه رسمي، وتنتج وتنشر الدعاية والمعلومات المضللة.

ووفقا للتحقيقات، فإنه إذا لم يكن هناك دفع مباشر مقابل كل منشور، فإن تمويل الهياكل، والتجهيزات، ورواتب العاملين يعني فعليًا تخصيص ميزانية حكومية لعمليات إلكترونية موجّهة.

التطور التاريخي للجيش الإلكتروني

كتب موقع “خبر أونلاين” في عام 2015 عن مهام “الكتائب الإلكترونية” التابعة للحرس الثوري الإيراني وكيفية تنظيمها لمراقبة وإنتاج المحتوى، ومواجهة ما يسمى بـ”الحرب الناعمة” للعدو.

وبعد سنوات قليلة، في 2018، أعلنت وكالة “تسنيم” للأنباء التابعة للحرس الثوري عن تشكيل “الجيش الإلكتروني للباسيج”، وهو التطور الذي أظهر أن الهيكل قد تم ترقيته من مستوى الوحدات المتفرقة إلى هيئة متماسكة وهرمية.

في 2021، نقلت وكالة “مهر” للأنباء، التابعة لمنظمة الدعاية الإسلامية، عن رئيس منظمة الباسيج قوله إن “نحو 3500 كتيبة إلكترونية” تم تشكيلها في مختلف أنحاء إيران، و982 كتيبة إلكترونية على مستوى المحافظات.

وفي 2022، قال “حسين سلامي”، قائد الحرس الثوري الإسلامي آنذاك، إنه تم تنظيم “ألفي كتيبة إلكترونية منظمة ونشطة” في أنحاء إيران.

وفي 2024 صرح رئيس منظمة الباسيج قائلا: “نحن ندعم شبكة السايبر للثورة الإسلامية”، واصفًا إياها بـ”الشبكة الشعبية الإلكترونية”، كما صرّح رئيس قسم التعبئة الطلابية قائلا: “إنّ تشكيل المجموعات السيبرانية أمرٌ بالغ الأهمية في التعبئة الطلابية”، وهذا يعني أيضاً التخطيط للتجنيد والتدريب والتنظيم منذ الصغر.

هذه البيانات تكشف عن صورة واضحة لآلية رسمية وشبه رسمية؛ هيكل متعدد الطبقات، من المدارس والقواعد المحلية إلى المقرات التنظيمية، ومهمته، وفقًا للإعلانات الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، هي “الجهاد التوضيحي والعمليات المعرفية والحرب النفسية”.

تمويل العمليات السيبرانية

تعتبر منظمة الباسيج للمستضعفين فرعًا من الحرس الثوري، وجزءًا من الهيكل الرسمي للنظام الإيراني، وتتلقى أموالًا عامة.

في عام 2023 ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الميزانية السنوية لمنظمة الباسيج، التي تدعم “الشبكة السيبرانية الثورية” وتمول من الميزانية العامة، أكبر من ميزانية تنمية 14 محافظة.

وهكذا، حتى لو لم تكن آلية الدفع المخصصة للحسابات الفردية على الشبكات الاجتماعية أو متعاقدي المحتوى علنية دائما، فإن الدفع مقابل العمليات السيبرانية، بما في ذلك على الشبكات الاجتماعية، يتم تمويله من الأموال العامة من خلال تصميم هيكل تنظيمي لتجنيد وتدريب الموظفين وتجهيزهم ودعمهم وتوجيههم.

التوجهات التاريخية

أفادت بعض وسائل الإعلام الدولية خلال السنوات القليلة الماضية عن شبكات متعددة اللغات من الحسابات المزيفة، ومواقع الغلاف، والحملات المستهدفة ضد المعارضة ولصالح روايات السياسة الخارجية لطهران.

وفي عام 2025، نُشرت سلسلة من التقارير التي أفادت بإزالة مئات الحسابات المرتبطة بالنظام الإيراني في العديد من البلدان، وهو الاتجاه الذي أظهر أن آلة عملية التسلل تعمل عبر الحدود وبشكل مستمر.

التنظيم والمهام المحددة للتدريب

تتكون الآلة السيبرانية لإيران من ثلاثة ركائز أساسية: ركيزة التدريب، وركيزة التنظيم، وركيزة العمليات، بما في ذلك الهندسة الاجتماعية وتضليل الرأي العام.

في الركيزة الأولى، تُشكّل الكتائب والفرق السيبرانية دورةً من التجنيد والتدريب وتوزيع المهام، ويشير تشكيل "المجموعات السيبرانية" في التعبئة الطلابية إلى وجود خطة طويلة المدى لتدريب القوات منذ الصغر.

وفي الركيزة الثانية، تعمل شبكة واسعة من الحسابات المتوافقة والصفحات التي تبدو شعبية والشخصيات الإيديولوجية على نشر الروايات الرسمية وتقويض المعارضين؛ من تأطير الأحداث ووسم المتظاهرين إلى التقليل من شأن المنتقدين.

وفي إطار هذا الركيزة نفسها، تشمل الطبقة الأكثر تخصصًا من عمليات التسلل، التصيد الاحتيالي، والمجالات المزيفة، ومواقع الويب المغطاة، وحسابات المتصيدين، والتي تم توثيقها في تقارير من شركات الأمن الدولية.

والركيزة الثالثة هي التواصل مع المؤسسات الثقافية والإعلامية والشخصيات الأيديولوجية، شبكات تُغذّي إنتاج المحتوى وتُسهّل تعبئة الموارد البشرية، وتدخل في نهاية المطاف مرحلة التنفيذ.

كما يستخدم النظام حسابات “مزيفة المعارضة” لإيقاع الخصوم أو جمع المعلومات أو نشر الشكوك بين جماعات المعارضة في الخارج.

دور الجيش الإلكتروني في قمع الاحتجاجات

خلال احتجاجات 2017، و2019، وحركة المرأة، الحياة، الحرية عام 2022، كثّف الجيش الإلكتروني الإيراني نشاطه بنشر روايات كاذبة لتقليل حجم القمع، وشنّ حملات تبليغ جماعية لإسكات المحتوى المعارض.

في ذروة الاحتجاجات، أفادت منصات ووسائل إعلام مستقلة بتحديد مجموعات منسقة ومتعددة اللغات سلطت الضوء على الروايات الأمنية، وقللت من دور القوات الحكومية في العنف، وساعدت في إزالة محتوى الاحتجاج أو الحد منه من خلال “التقارير المنظمة”.

وفي الوقت نفسه، أفادت وسائل الإعلام المحلية مرارا عن “تدريبات الفضاء الإلكتروني” وبرامج التدريب للناشطين، وهي شهادة على حقيقة مفادها أن ما نراه على مستوى المخرجات هو نتاج آلية مصممة مسبقا.

وإلى جانب الجيش الإلكتروني، لا ينبغي تجاهل الأفراد والعناصر البشرية الحاملة لبطاقات الهوية، فعلى سبيل المثال، عندما قطعت إيران الإنترنت رسميًا بشكل كامل خلال احتجاجات تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، واصل بعض الإعلاميين والفنانين والناشطين المؤيدين للنظام استخدام الإنترنت بحرية، ونشروا رسائل تصور الأوضاع في إيران على أنها “طبيعية”.

تصريح وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” بعدم إنفاق بلاده أموالًا لترويج الأكاذيب يُعدّ محاولة دبلوماسية لتجميل الصورة الخارجية للنظام، ويُظهر هذا التناقض بين الواقع والتصريحات نمطًا متكررًا في السياسة الإيرانية يقوم على إنكار رسمي مقابل إثبات ميداني، وهو ما يُستخدم لتخفيف الضغوط الدولية وتجنّب الاتهامات بانتهاك حرية الرأي.

الأخبار التي توثق إنشاء “كتائب إلكترونية” منذ عام 2015 ثم إعلان “الجيش الإلكتروني للباسيج” في 2018 تمثل تحولًا استراتيجيًا من مبادرات فردية إلى مشروع مؤسسي منظم، هذا التطور يعبّر عن تطبيع فكرة الحرب السيبرانية في الخطاب الثوري الإيراني، بحيث أصبحت جزءًا من العقيدة الأمنية للنظام.

تصريحات عام 2024 حول “التعبئة الطلابية السيبرانية” تكشف أن النظام لا يكتفي بتجنيد كوادر جاهزة، بل يصنعها منذ الصغر داخل بيئة تعليمية مؤدلجة، وتُظهر هذه الخطوة أن النظام يرى الصراع في الفضاء الإلكتروني صراعًا ثقافيًا معرفيًا قبل أن يكون تقنيًا، وهو ما يتماشى مع مفهوم “الجهاد التوضيحي” في الفكر الثوري الإيراني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى