شؤون تحليلية عربية

إيران تستغل الحرب في السودان لزيادة نفوذها العسكري على البحر الأحمر

لم تعد الطائرات التي تهبط في مطار بورتسودان مجرد وسيلة لنقل المسافرين والبضائع المدنية، بل أصبحت جزءًا من شبكة إمداد عسكرية دقيقة، تشمل شحنات من الطائرات المسيّرة والصواريخ، تعكس تصاعد النفوذ الإيراني في السودان.

هذه التحركات تأتي في ظل حرب أهلية مستمرة منذ أكثر من عامين بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة “محمد حمدان دقلو” المعروف باسم “حميدتي”، وتبرز السودان كبوابة إستراتيجية لإيران نحو البحر الأحمر وإفريقيا، وموقعًا حيويًا لدعم جماعة الحوثي في اليمن.

جذور النفوذ الإيراني في السودان

يعود الاهتمام الإيراني بالسودان إلى التسعينيات، إذ كان موقعه على البحر الأحمر محل مراقبة دقيقة لدى طهران، كونه يتيح وصولًا مباشرًا إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

في 1993، حذّر الرئيس المصري الأسبق “حسني مبارك” السودان من إقامة قاعدة إيرانية في بورتسودان، إلا أن حكومة “عمر البشير” تجاهلت التحذير واستقبلت سفنًا حربية إيرانية عام 2011، فضلاً عن مرور أسلحة إلى حركة حماس عبر الأراضي السودانية، ما أدى إلى عزلة عربية ودولية واتهامات أميركية للرعاية بالإرهاب.

وفي 2014، ومع الضغوط الدولية والأزمات الداخلية، انقلب السودان من إيران إلى السعودية والإمارات، وشارك في التحالف العسكري ضد الحوثيين في اليمن، وقطع علاقاته مع طهران عام 2016.

لكن اتفاق المصالحة السعودي-الإيراني بوساطة صينية في 2023 أعاد الخرطوم لفتح الباب أمام إيران، مستفيدين من النزاع الداخلي بين الجيش والدعم السريع لتبرير العودة.

التحركات الإيرانية في 2024-2025

وفقًا لتقارير متعددة اطلعت عليها “بوليتكال كيز | Political Keys”، وصلت دفعات من الطيران المسيّر من نوع “هاجر” وصواريخ مضادة للدروع إلى مطار بورتسودان منذ أكتوبر 2024.

هذه الإمدادات مكنت الجيش السوداني من صد تقدم قوات “حميدتي” نحو العاصمة، ما يعكس دور إيران كداعم رئيسي للبرهان في معركته الداخلية، وفي الوقت ذاته، موقعًا استراتيجيًا يربط بين البحر الأحمر واليمن.

الربط مع جماعة الحوثي
يرى المراقبون أن السودان أصبح امتدادًا لوجستيًا للحوثيين، حيث يسمح بتخزين الذخائر وقطع الغيار بعيدًا عن الضغوط المباشرة في الحديدة وصنعاء، ويتيح مسارات تهريب عبر القرن الإفريقي.

في سبتمبر 2025، شن الحوثيون هجمات على سفينتين قرب ميناء ينبع السعودي، ما يشير إلى أن امتلاك قدرات هجومية بعيدة المدى بات ممكنًا من خلال الدعم اللوجستي الإيراني عبر السودان.

القيود والتحديات

رغم المكاسب الواضحة، يواجه النفوذ الإيراني تحديات داخلية وخارجية. السودان يعاني انقسامًا سياسيًا حادًا، والقوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، تراقب أي محاولة لترسيخ وجود عسكري إيراني، مع سجل طويل من استهداف شبكات تهريب السلاح المرتبطة بالحرس الثوري.

المحلل السعودي فيصل الشمري يرى أن هذه التحركات قد تُضعف سلطة الدولة، وتعزز شبكات التهريب، وتجعل أي نفوذ إيراني هشًا وغير مستقر.

الجبهة الأهم

يمثل البحر الأحمر محورًا حساسًا في هذه الاستراتيجية، فمنذ 2023، تصاعدت الهجمات الحوثية على السفن التجارية والعسكرية، وتهدد الشركات الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون.

الهجمات الأخيرة دفعت واشنطن لتعزيز تحالفاتها البحرية في المنطقة، فيما واصلت إسرائيل استهداف منشآت لوجستية حوثية في الحديدة وصنعاء.

كل ذلك يعكس أن السودان قد يتحول إلى ساحة مواجهة إذا ثبت أنه جزء من شبكة الدعم الإيرانية.

إيران تستغل حرب السودان

تظهر الوقائع أن إيران تسعى لاستغلال الحرب الداخلية السودانية لترسيخ موطئ قدم إستراتيجي على البحر الأحمر، مما يمنحها قدرة ضغط على السعودية ومصر وإسرائيل، ويدعم الحوثيين لزيادة نطاق عملياتهم.

مع ذلك، يظل النفوذ هشًا بسبب الانقسام السياسي الداخلي وحساسية البحر الأحمر، إضافة إلى المراقبة الدولية والإقليمية.

السودان قد يصبح قاعدة عابرة لتسهيل العمليات الإيرانية، لكنه في الوقت ذاته معرض للتصعيد أو الانكشاف السريع في حال تدخل القوى الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى