تركيا وأمريكا في أفريقيا.. استراتيجيات النفوذ والتوازنات الإقليمية
تشهد القارة الأفريقية منذ مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تحولات متسارعة في موازين النفوذ بين القوى الكبرى، إذ يتراجع الحضور الغربي التقليدي أمام تمدد الصين وروسيا، بينما تبرز قوى إقليمية جديدة تسعى إلى ترسيخ حضورها في المشهد الأفريقي، من بينها تركيا التي تمزج بين أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية الناعمة والصلبة.
وفي ظل هذه الدينامية الجيوسياسية المتغيرة، يطرح تساؤل أساسي نفسه: هل تستطيع الولايات المتحدة الاستفادة من الدور التركي المتنامي في أفريقيا لمواجهة النفوذين الروسي والصيني؟
الباحث “ليام كار” نشر دراسة في مجلة “ناشونال إنتريست” الأمريكية، تناول فيها ملامح التمدد التركي في القارة الأفريقية خلال العقدين الماضيين، وفرص توظيفه كرافعة محتملة للسياسة الأمريكية في القارة.
صعود النفوذ التركي في القارة الأفريقية
ترى الدراسة أن التعاون الأمريكي–التركي في أفريقيا قد يسهم في ملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ الأوروبي، شريطة إدراك حدود هذه الشراكة وتعقيداتها.
فبينما يمكن لأنقرة أن تكون عامل توازن أمام الصين وروسيا، فإن مصالحها الخاصة، وارتكاز خطابها السياسي على سرديات ما بعد الاستعمار، يجعلان منها شريكًا انتقائيًا لا يمكن الركون إليه بشكل مطلق.
صعود الحضور التركي في أفريقيا
شهدت العلاقات التركية–الأفريقية تحولات جوهرية منذ مطلع الألفية، حيث تبنت أنقرة سياسة خارجية نشطة نحو القارة، انعكست في افتتاح أكثر من أربعين سفارة، وتوقيع عشرات الاتفاقيات التجارية والعسكرية.
ووفقًا لتقديرات رسمية تركية، تجاوزت قيمة عقود شركات المقاولات التركية في القارة منذ عام 1972 نحو 100 مليار دولار، شملت مشاريع في مجالات الطرق والمطارات والموانئ والسكك الحديدية.
إلى جانب ذلك، أصبحت الطائرات المسيرة التركية من أبرز أدوات النفوذ التركي في القارة، حيث تعتمدها دول مثل إثيوبيا وليبيا والصومال ونيجيريا، ما جعل الصناعات الدفاعية التركية جزءًا من استراتيجية القوة الناعمة لأنقرة في أفريقيا.
فرص التعاون الأمريكي–التركي في مكافحة الإرهاب
يُعد ملف مكافحة الإرهاب أحد أبرز المجالات التي يمكن للولايات المتحدة وتركيا التعاون فيها.ط، إذ تشترك الدولتان في دعم قوات الأمن الصومالية ودول غرب أفريقيا بمعدات وتدريبات لمواجهة تنظيمي القاعدة وداعش.
ومع ذلك، يلفت الباحث إلى أن هذا التعاون يجب أن يُدار بحذر، لأن أداء القوات التي تدربها تركيا كان أضعف نسبيًا من نظيراتها التي تلقت تدريبًا أمريكيًا. ويشير إلى أن واشنطن تستطيع استثمار الحضور التركي في مهام محددة مثل بناء القدرات المؤسسية ومشاركة المعلومات الاستخباراتية، دون الاعتماد المفرط على أنقرة في العمليات الميدانية.
الطاقة والبنى التحتية كمدخل للتقاطع الاستراتيجي
تسعى تركيا لتقليص اعتمادها على واردات الطاقة الروسية عبر تنويع مصادرها في أفريقيا، وهو هدف يلتقي مع الرؤية الأمريكية الرامية إلى تقويض النفوذ الاقتصادي لموسكو في القارة.
ويمكن أن يشكل التعاون الأمريكي–التركي في مشروعات الطاقة والبنى التحتية رافعة لتطوير سلاسل إمداد المعادن الاستراتيجية، إذ تمتلك أفريقيا احتياطات ضخمة من الليثيوم والكوبالت والمنغنيز، وهي عناصر أساسية في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وتوفر الخبرة التركية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية فرصًا لتكامل الجهود الأمريكية–التركية في تطوير الموانئ وشبكات النقل والطاقة، بما يخدم مصالح الجانبين.
تركيا كعامل موازن أمام الصين وروسيا
يرى كار أن تركيا تمثل عامل توازن محتمل في مواجهة النفوذين الصيني والروسي في القارة، فقد استغلت موسكو تراجع الدور الفرنسي لتوسيع حضورها في منطقة الساحل من خلال شركات الأمن الخاصة، بينما عززت بكين نفوذها عبر التمويل والبنى التحتية، إلا أن الحدود السياسية والأيديولوجية للشراكة مع أنقرة تبقى واضحة، فتركيا، رغم عضويتها في الناتو، تسعى أحيانًا إلى التوفيق بين مصالحها مع موسكو وبكين، بل وتتبنى أحيانًا خطابًا مناهضًا للغرب يعزز شعبيتها في أفريقيا، هذا التناقض يجعل منها شريكًا نافعًا تكتيكيًا، لا استراتيجيًا على المدى الطويل.
يبدو أن الدور التركي في أفريقيا مرشح للتوسع أكثر في السنوات المقبلة، مدفوعًا بطموحات الرئيس أردوغان في جعل أنقرة مركز نفوذ إقليمي متعدد الأذرع، لكن هذا الدور، وإن تلاقى مؤقتًا مع الأهداف الأمريكية في بعض الملفات، يبقى محكومًا بحسابات تركية داخلية وإقليمية لا تخلو من التناقضات.
تركيا عامل موازن أمام الصين وروسيا
وسعت تركيا، خلال العقدين الماضيين، حضورها في أفريقيا بشكل كبير عبر التجارة والاستثمار والبنى التحتية والدفاع، مستغلة تراجع النفوذ الغربي خاصة فرنسا وارتفاع دور الصين وروسيا.
هذا التوسع منح أنقرة قدرة على الموازنة بين القوى الكبرى، لكنها تواجه تحديات في الاستدامة والمصداقية، خصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب، حيث أظهرت قدرات محدودة مقارنة بالشركاء الغربيين.
من منظور سياسي، يمكن اعتبار الدور التركي في أفريقيا فرصة لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي بما يخدم مصالحها وحلفائها، لكنه محفوف بالمخاطر إذا لم يتم توسيع الشراكات المحلية وتعزيز القدرات الأمنية والمؤسسية للشركاء الأفارقة، كما أن أي اعتماد مفرط على تركيا دون إشراك الولايات المتحدة والدول الغربية قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع القوى الكبرى الأخرى.
على تركيا وحلفائها الأفارقة التركيز على بناء شراكات مؤسسية طويلة الأمد، تشمل التدريب العسكري المدني، المشاريع الاقتصادية المشتركة، وتبادل المعلومات، مع إبقاء السياسة الخارجية مرنة لتجنب الصدام مع القوى الكبرى، ما يضمن تعزيز النفوذ التركي بفعالية أكبر.




