قوة عسكرية تشادية تنشط في جنوب ليبيا وتؤثر على موازين القوى فيها.. ما مصيرها؟
يُشكل مصير الجماعة التشادية المسلحة مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية (CCMSR) إحدى أعقد القضايا الأمنية في المشهد الليبي – التشادي، حيث تتقاطع مصالح الأمم المتحدة، وحسابات آل حفتر، وضغوط نجامينا، وسط شبكة تحالفات إقليمية مرتبطة بالحدود، مناجم الذهب، ونفوذ الإمارات في المنطقة.
من هو مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية؟
تشكل جماعة مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية (CCMSR)، بقيادة محمد علي يوسف، إحدى أكثر المجموعات المسلحة التشادية حضوراً ونفوذاً في جنوب ليبيا.
هذه الجماعة التي تضم ما يقارب 2000 مقاتل مدرب ومجهز، لم تذُب في المشهد الليبي كقوة ثانوية، بل تحولت إلى فاعل رئيسي يمتلك القدرة على التأثير في توازن القوى داخل ليبيا وفي استقرار شمال تشاد على حد سواء.
انتشار جغرافي واستراتيجي
تتمركز وحدات CCMSR في مطار واو الكبير بفزان، وهو موقع حساس يمنحها إمكانية التحرك السريع والتموضع في قلب الجنوب الليبي.
إلى جانب ذلك، تنتشر الجماعة في تماسة وجبال كلينجة، وهي مناطق ترتبط بممرات تهريب السلاح والذهب وتمنحها هامش مناورة ميدانياً.
هذا التمركز يجعلها جزءاً من معادلة أمنية معقدة، حيث تتداخل أنشطتها مع طرق إمداد السلاح القادمة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع السودانية بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وجودها في هذه النقاط الحيوية يتيح لها التأثير في مسارات التسليح، وربما تحويل هذه القدرة إلى ورقة ضغط في مفاوضاتها أو لتغيير تحالفاتها.
علاقات مع حفتر وتحولات ميدانية
رغم أن CCMSR ارتبطت بتحالف مصلحي مع الجيش الوطني الليبي (LNA) بقيادة خليفة حفتر، إلا أن هذه العلاقة لا تخلو من التناقضات.
حفتر يحتاج إلى الجماعة لتعزيز سيطرته على الجنوب الليبي ومناجم الذهب، لكنه في الوقت نفسه مضطر للتجاوب مع خريطة طريق الأمم المتحدة التي تشدد على انسحاب القوات الأجنبية.
خلال العام 2025، أعاد صدام حفتر، نجل خليفة حفتر والمسؤول الفعلي عن العمليات في الجنوب، هيكلة علاقة الجيش الوطني الليبي مع CCMSR.
جرى دمج الجماعة ضمن اللواء 519، بعد إقصاء القائد القوي حسن الزادمة (الذي كان يتمتع بصلات مميزة مع الإمارات)، وذلك بهدف منع أي استقلالية ميدانية عن قيادة آل حفتر وضمان السيطرة المباشرة على هذه القوة.
الملف التشادي وتحديات ديبي
على الجانب التشادي، يواجه الرئيس محمد إدريس ديبي معضلة معقدة: فالجماعة تظل القوة المعارضة الوحيدة القادرة فعلياً على تهديد استقرار شمال تشاد، خصوصاً منطقة تيبستي الغنية بالذهب. في المقابل، يسعى ديبي إلى تعزيز علاقته مع آل حفتر لإيجاد صيغة مشتركة لإدارة هذا التهديد.
خلال العام المنصرم، التقى صدام حفتر عدة مرات بديبي في قصر توماي في نجامينا، وكانت مسألة CCMSR على رأس جدول المباحثات. آخر اتصال بين الجانبين جرى في 28 أيلول/ سبتمبر، حيث شددا على “التنسيق المشترك لحماية الحدود”.
بالتوازي، تحرك رئيس الأركان التشادي أبكر عبد الكريم داود ميدانياً في منطقة مناجم الذهب (مدينة مسكي تحديداً) لعقد اتفاقات محلية مع جماعات الدفاع الذاتي في محاولة لتخفيف الضغط الأمني الداخلي.
المفاوضات الدولية وتعثر عمّان
في عمّان، تشرف الأمم المتحدة منذ ستة أشهر على مفاوضات تهدف إلى تأمين عودة CCMSR إلى الداخل التشادي. هذه العملية تجري برعاية منظمة بروميديا الفرنسية، لكنها تسير ببطء شديد نتيجة تضارب أجندات الأطراف.
قوة CCMSR ترفض أي حوار مباشر مع نجامينا خارج إطار الأمم المتحدة، والرئاسة التشادية منشغلة بترتيبات تعديل دستوري جديد يثير توترات سياسية داخلية، أما حفتر فيوازن بين حاجته للجماعة في الجنوب والتزاماته الرسمية تجاه خريطة الأمم المتحدة.
أطراف داخل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 ترى أن الإبقاء على CCMSR في ليبيا يهدد فرص توحيد المؤسسة العسكرية.
ورقة ضغط إقليمية
ما يمنح CCMSR قوة إضافية هو استعدادها لتغيير التحالفات في أي وقت. فإلى جانب علاقتها مع حفتر، تملك خيار التحول نحو الجيش السوداني النظامي بقيادة عبد الفتاح البرهان إذا رأت أن ذلك يخدم مصالحها.
هذا الاحتمال يثير قلق الإمارات، التي تدعم حفتر وحميدتي في الوقت ذاته، لأن انتقال CCMSR إلى جانب البرهان قد يعيد تشكيل موازين القوى في المثلث الحدودي (تشاد – ليبيا – السودان).
ملف CCMSR يمثل عقدة أمنية إقليمية، إذ إن الجماعة لا تملك فقط القدرة على قلب المعادلات في شمال تشاد، بل تشكل أيضاً ورقة ابتزاز جيوسياسية لحفتر أمام الأمم المتحدة، ولنجامينا أمام الإمارات.
استمرار الغموض حول مصيرها يعكس هشاشة الترتيبات الأمنية في المثلث الحدودي (تشاد – ليبيا – السودان)، حيث تتقاطع مصالح الذهب والسلاح والتحالفات المتبدلة.
المصدر: بوليتكال كيز




