شؤون تحليلية دولية

وثائق ديمونا.. اختراق إيراني أم لعبة سياسية داخل إسرائيل؟

في أواخر أيلول/سبتمبر 2025 أعادت طهران ملف مفاعل ديمونا الإسرائيلي إلى الواجهة عبر بث ما وصفتها بـ”وثائق ديمونا”: صورًا ووثائق مزعومة تخص البرنامج النووي الإسرائيلي، ولقطات قالت إنها من داخل منشآت حساسة، إضافة إلى نسخٍ من جوازات سفر لعلماء وجُزء من أرشيف وصفته طهران بأنه “كنز معلوماتي”.

الإعلان الإيراني أثار موجة من الجدل الدولي والإسرائيلي بين من يرى فيه اختراقًا استخباراتيًا كبيرًا يُحرج المؤسسة الأمنية في تل أبيب، ومن يرى أنه جزء من حرب معلومات داخلية بين أجنحة المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

ظهور الوثائق وما تضمّنته

نشرت طهران عبر وثائقي تلفزيوني مواد قالت إنها انتُزعت من مؤسسات إسرائيلية، وتضمّن العرض لقطات وصورًا وجوازات سفر نسبت إلى علماء وشخصيات مرتبطة بمراكز بحثية ومواقع عسكرية إسرائيلية، بينها لقطات نسبت إلى مفاعل ديمونا.

وزير الاستخبارات الإيراني “إسماعيل خطيب” أعلن في الوثائقي أن هذه المعلومات استُخدمت في حزيران/ يونيو لضرب مواقع حساسة داخل إسرائيل، وأن ما بُثّ منها يمثل “جزءًا يسيرًا” من كنز أكبر من البيانات التي بحوزة إيران.

رواية طهران

عرضت طهران القضية كدليل على قدرة استخبارية وسيبرانية واسعة، واصفة العملية بأنها مخطط طويل الأمد نفّذته وحدات تقنية وأمنية متعددة المراحل.

المسؤولون الإيرانيون ربطوا الكشف بما اعتبروه ردًا على اختراقات إسرائيلية سابقة لمواقع إيرانية، مؤكّدين أن الهدف هو فضح «الهشاشة الأمنية الإسرائيلية» والردّ في ميدان حرب المعلومات.

التشكيك الإسرائيلي والدولي في صحة المواد

على النقيض، جاء ردّ فريق من المحللين والمختصين بالتشكيك في أصالة بعض المواد المعروضة: أُشير إلى أن صورًا ظهرت في الوثائقي منشورة على مواقع إسرائيلية وصحفية منذ عام 2008، وأن بعض لقطات جوازات السفر قد تكون قديمة أو متاحة على الإنترنت.

باحثون إيرانيون معارضون ومحلّلون آخرون قالوا إن جزءًا من التسريبات قد جاء من داخل إسرائيل — من عناصر أو تيارات معارضة لحكومة نتنياهو — بهدف إحراج قيادة البلاد.

تفسيرات متباينة

تفاوتت التفسيرات بين أن ما أعلنته طهران نتيجة اختراق سيبراني واستخباراتي فعلي، يضع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ووحدة 8200 في موقف محرج، وأن الوثائق نتائج تسريبات داخلية إسرائيلية أو تجميع مواد قديمة وطرحها كـ «اختراق جديد» كجزء من حرب سياسية داخلية ضد نتنياهو.

ثمة من ذهب إلى تفسير وسطي يفترض تنسيقًا بين أطراف داخلية وخارجية، أي أن طهران قد تكون استغلت تسريبات أو معلومات تسربت من داخل إسرائيل.

ما يقوله الخبراء والمحلّلون

أورد الدكتور “أحمد الياسري” أن العملية قد تكون اختراقًا إيرانيًا نفذته طهران رداً على اختراقات إسرائيلية للمواقع الإيرانية، وأن طهران احتفظت بهذه البيانات حتى حان موعد كشفها.

في المقابل، اعتبر الدكتور “محمد المذحجي” أن طهران «غير قادرة» على اختراق ديمونا بهذا الامتداد، وأن جزءًا من المواد منشور سابقًا، وأن عناصر داخل إسرائيل ربما سهلت الوصول إلى المعلومات لإحراج نتنياهو.

رأى الخبير “نزار نزال” أن صحة هذه الوثائق إن تأكدت فستضع إيران في موقع أقوى في «حرب الأدمغة» السيبرانية وتؤثر على أولويات الأمن الإسرائيلي، بما في ذلك استهداف شخصيات ومواقع محددة في أي مواجهة قادمة.

الأبعاد السياسية والعملية داخل إسرائيل

دفع إعلان طهران الطبقة السياسية الإسرائيلية إلى استدعاء رئيس جهاز المخابرات الخارجية (الموساد) لاستيضاح ملابسات المعلومة ومدى صحتها، فيما أثار الجدل اتهامات متبادلة داخل الساحة السياسية حول أداء الأجهزة الأمنية وموقع الحكومة.

إذا تبين أن الاختراق حقيقي، فسيضع ذلك أسئلة عن فعالية الدفاع السيبراني الإسرائيلي وعن تسلسل الأحداث التي أدّت إلى تسريب أو اختراق هذه المواد.

التداعيات المحتملة

إمكانية إحراج دولي لإسرائيل أمام مؤسسات مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية لوْ قُدمت دلائل تثبت استخدامات نووية غير معلنة؛ احتمالات بردْ إسرائيلي — سيبرانيًا أو عسكريًا — على ما اعتُبر تسريبًا استراتيجيًا؛ مزيد من التوتر في خط المواجهة بين طهران وتل أبيب قد يُترجم إلى عمليات استهداف جديدة أو تصعيد معلوماتي‑دبلوماسي.

تبقى القضية حتى الآن في منطقة «الشكّ والتحقق»: إما أن تكون طهران قد نفّذت اختراقًا استخباراتيًا فعليًا كفّرت عنه الآن ببث وثائق مُحرجة لإسرائيل، أو أن تكون جزءًا من لعبة معلوماتية أوسع تشمل تسريبات داخلية إسرائيلية ومناورات سياسية تهدف إلى توريط قيادة الدولة وإحراجها داخليًا وخارجيًا.

في كلتا الحالتين، الكشف أعاد ملف الأمن السيبراني والاستخباراتي إلى مقدمة أولويات تل أبيب، ورفع سقف المواجهة الإعلامية والسيبرانية بين الخصمين، بينما يظل الرهان الدولي على تقارير مستقلة تحقق في المحتوى المعلن وتحدد أصالته ونتائجه العملية قبل أن تتحوّل هذه المعركة المعلوماتية إلى ذريعة لتصعيد عسكري أوسع.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى