شؤون تحليلية دولية

“المناورة المزدوجة”.. كيف تعمل طهران على إعادة بناء برنامجها النووي والصاروخي؟

تزداد الضبابية حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني مع تواتر تقارير أمريكية تكشف عن سياسة “المناورة المزدوجة” التي تتبعها طهران، بين إظهار الاستعداد للتفاوض والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبين التمسك بتطوير قدراتها النووية والصاروخية بدعم روسي.

في هذا السياق، تتقاطع تصريحات متناقضة لمسؤولين إيرانيين، من الرئيس “مسعود بزشكيان” إلى المرشد الأعلى، لتجسد حالة من الازدواجية المقصودة التي تهدف إلى كسب الوقت، وتحويل حالة “اللاسلم واللاحرب” إلى مظلة لتجهيز بنية عسكرية أكثر صلابة استعدادًا لأي مواجهة محتملة مع إسرائيل.

إيران وسياسة “تقسيم الأدوار”

أكدت مصادر أمريكية مطلعة أن طهران تتبع سياسة تقوم على “تقسيم الأدوار” في التعامل مع واشنطن والترويكا الأوروبية “بريطانيا وألمانيا وفرنسا”.
ففي حين يظهر بعض المسؤولين استعدادًا للتفاوض وتخفيف التخصيب والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يتمسّك آخرون بعدم التنازل عن البرنامج النووي وتطوير القدرات الصاروخية.
هذه الازدواجية، بحسب المصادر، هدفها إطالة أمد حالة “اللاسلم واللاحرب”، بما يمنح إيران مساحة زمنية كافية لإعادة بناء إمكانياتها العسكرية وتثبيت أوراق تفاوضية أقوى في مواجهة الغرب وإسرائيل.

إعادة بناء المنصات الصاروخية بدعم روسي

أوضحت المصادر أن صور الأقمار الصناعية الأخيرة كشفت عن إعادة إيران بناء برنامجها الصاروخي الذي كان هدفًا مباشرًا في حرب الـ 12 يومًا.
وتُظهر هذه الصور تحركات واسعة لإعادة بناء منصات الصواريخ وأنظمة دفاعية مضادة، بدعم روسي مباشر.
ووفق هذه القراءة، فإن طهران تسعى إلى امتلاك شبكة صاروخية قادرة على تأمين المواقع النووية الحساسة، مع إمكانية توجيه ضربات إلى العمق الإسرائيلي إذا ما اندلعت مواجهة عسكرية مرتقبة.

التخبط تحت ضغط العقوبات

تشير المصادر إلى أن لعبة التناقضات لا تعكس فقط استراتيجية مقصودة، بل تكشف أيضًا حالة من التخبط داخل القيادة الإيرانية بفعل ضغوط العقوبات الدولية.
ففي ظل تعثر مساعي إقناع الترويكا الأوروبية بتمديد مهلة “آلية الزناد”، تبحث طهران عن شراء الوقت لإعادة قدراتها العسكرية تدريجيًا.
وكلما تأجلت الضربة الإسرائيلية المحتملة، ازدادت فرص إيران في رفع مستوى جاهزيتها العسكرية والنووية.

تصريحات متناقضة تكشف الانقسام

اعتبر الباحث في مركز ستاندرد للدراسات، الدكتور “فرهاد دزه يي” أن التناقضات تمثل “أحد أعمدة عمل النظام الإيراني” عبر ما يسميه “سياسة الغرف المظلمة”.
ويشير إلى أن الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” أكد علنًا أن بلاده لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، في تناقض صارخ مع تصريحات المرشد الأعلى الذي شدد على عدم التراجع عن التخصيب وعدم الاستسلام للضغوط.
ويرى دزه يي أن بزشكيان يمثل الإصلاحيين الذين تقلص نفوذهم بعد الحرب مع إسرائيل، فيما بقي القرار الفصل بيد المرشد الأعلى. كما أشار إلى أن إيران تستفيد من العراق كـ “رئة اقتصادية” لتصريف نفطها بعيدًا عن العقوبات الغربية.

اللعب بالنار.. سيناريو المواجهة

يؤكد دزه يي أن إيران “تلعب بالنار” في هذا التوقيت، خاصة بعد أن أظهرت صور الأقمار الصناعية أن الهجوم الإسرائيلي الأخير لم يقضِ على مواقع التخصيب، وخصوصًا في نطنز. ويرجّح أن أي هجوم إسرائيلي قادم سيكون مفاجئًا ويعتمد على استراتيجية مختلفة عن تلك التي اتبعت في حرب الـ 12 يومًا.

مراوغة ممنهجة

يرى المختص في الشؤون الإيرانية طاهر أبو نضال” أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين الأخيرة ما هي إلا “أداة مراوغة رئيسية” تهدف إلى طمس الحقائق.

ويشير إلى أن طهران قدّمت خلال أسبوعين فقط سلسلة من التصريحات المتناقضة: من التهديد بالصواريخ العابرة للقارات واليورانيوم المخصب بدرجة 60%، إلى التلميح بإمكانية التوصل إلى تفاهمات سلمية.
ويضيف أبو نضال أن إيران نقلت بالفعل كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب إلى أماكن آمنة قبل اندلاع حرب الـ 12 يومًا، ما يعكس نواياها في الحفاظ على خيارها النووي.
كما شدد على أن رفض طهران إشراف الأمم المتحدة على منشآتها النووية والصاروخية يؤكد أنها غير معنية بتسوية حقيقية، وإنما تستعمل المماطلة كأداة لشراء الوقت وتعزيز قدراتها.
تكشف المعطيات أن طهران تعمل وفق استراتيجية مركبة تجمع بين التناقض في الخطاب والتصعيد في الميدان، بدعم روسي وإسناد اقتصادي عبر العراق.
وبينما يسعى الغرب إلى إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات، تبدو إيران أكثر تمسكًا بالمراوغة والتهيئة لمواجهة قادمة قد تشعل المنطقة من جديد.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى