مليار دولار تبخرت: عملية “الراكب الخشن” تفشل في إعادة السفن الأمريكية إلى البحر الأحمر
على الرغم من التصريحات المتفائلة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إنهاء التهديد البحري في البحر الأحمر، كشفت بيانات الشحن عن غياب شبه تام للسفن التي ترفع العلم الأمريكي عن الممر المائي الحيوي، ما يثير تساؤلات حادة حول الفاعلية الاستراتيجية لعملية “الراكب الخشن” (Rough Rider)، التي كلفت الولايات المتحدة نحو مليار دولار.
تراجع “الوجود” الأمريكي بعد حملة جوية ضخمة
أطلقت واشنطن عملية “الراكب الخشن” بين أذار/ مارس وأيار/ مايو 2025، وشملت أكثر من 1000 غارة جوية استهدفت مواقع الحوثيين في اليمن، بهدف معلن هو حماية السفن الأمريكية وضمان حرية الملاحة. ورغم إقرار بعض التقارير بانخفاض الهجمات المسجلة، فإن بيانات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) تفضح حقيقة مغايرة: لم تعد السفن التجارية الأمريكية لاختبار الممر البحري.
منذ تموز/ يوليو 2025، لم تُبحر في البحر الأحمر سوى أربع سفن أمريكية فقط. ثلاث منها تمركزت في الجزء الشمالي بين خليجي السويس والعقبة، وواحدة فقط هي “ليبرتي غلوري” عملت قرب بورتسودان. الأهم من ذلك، لم يعبر أي من هذه السفن مضيق باب المندب، الذي يمثل نقطة الاختناق الاستراتيجية.
هذا الرقم يُقارن بشكل صارخ ببيانات الفترة ذاتها من العام الماضي (تموز/يوليو – أيلول/سبتمبر 2023)، حيث سُجّل مرور 39 سفينة أمريكية عبر الممر المائي.
طريق رأس الرجاء الصالح: “الوضع الطبيعي الجديد”
يرتبط هذا التراجع الملحوظ بشكل مباشر باستهداف الحوثيين للسفن الأمريكية مطلع عام 2024، والذي ألحق أضراراً جسيمة بسفينتين على الأقل.
ورغم أن العملية الأوروبية “أسبايدس” خفّضت مستوى التهديد في باب المندب إلى “متوسط”، إلا أن شركات الشحن الأمريكية تجاهلت التقييم الأوروبي، وفضلت مسار الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، الذي يعد أطول بـ 10 أيام لكنه أكثر أماناً، ليتبنى الشحن الأمريكي فعلياً “الوضع الطبيعي الجديد” المتمثل بالابتعاد عن باب المندب.
برنامج الأمن البحري يفشل في حماية أسطوله
تعتمد الولايات المتحدة على أسطول تجاري محدود يرفع علمها (نحو 100 سفينة عالمياً)، منها 60 سفينة مشمولة بـ برنامج الأمن البحري (MSP)، الذي يمول بواقع 6 ملايين دولار سنوياً لكل سفينة مقابل التزامات تشغيلية. ومع ذلك، اضطرت سفن هامة ضمن هذا البرنامج، مثل “ميرسك تشيسابيك” و”ميرسك ديترويت”، لتغيير مسارها بعد تعرضها لهجمات حوثية في كانون الثاني/يناير 2024.
هذا التطور قوّض بشكل كبير مصداقية الوعود الأمريكية بحماية الملاحة، ما أفرغ التكلفة العسكرية الضخمة لعملية “الراكب الخشن” من مضمونها الاستراتيجي المباشر المتمثل في حماية أسطولها.
معضلة واشنطن: حماية سفنها أم مبدأ “حرية الملاحة”؟
تُشير عملية “الراكب الخشن” إلى وجود فجوة بين التكلفة العسكرية والنتيجة الاستراتيجية: مليار دولار صُرفت على حملة جوية لم تُعد الثقة إلى الممر البحري لشركات الشحن الأمريكية. ورغم عودة السفن الأوروبية والآسيوية، يظل الغياب الأمريكي ثغرة استراتيجية واضحة.
الجدل يحتدم في واشنطن: هل كان الهدف هو حماية السفن الأمريكية مباشرة أم إثبات الالتزام بمبدأ “حرية الملاحة” لصالح الشركاء؟ في كلتا الحالتين، يطرح تراجع الوجود البحري التجاري الأمريكي سؤالاً حاسماً حول مدى استعداد إدارة ترامب لتحمل كلفة العودة الفعلية إلى هذا الممر الحيوي.
المصدر: بوليتكال كيز




