شؤون تحليلية عربية

اعتقال أحد أبرز المعارضين السياسيين في كردستان العراق

يشهد إقليم كردستان العراق منذ سنوات من الصراعات السياسية الداخلية بين الأحزاب الرئيسية، وسط انقسامات عائلية وتأثيرات خارجية متشابكة.

وفي السليمانية، قلب الأحداث السياسية، تتجسد هذه التوترات في مواجهات متكررة بين القيادات الكردية، حيث يبرز صراع النفوذ بين “لاهور شيخ جنكي” و”بافل طالباني” الذي وصل ذروته مؤخرًا باعتقالات واشتباكات مسلحة أثارت جدلاً واسعًا حول دوافعها وتداعياتها على استقرار الإقليم والمنطقة.

تفاصيل الاشتباكات

بدأت العملية بعد رفض “لاهور جنكي” ومرافقيه تسليم أنفسهم، مع استخدام أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وتصاعد الدخان والنيران من الفندق.

العملية نفذت بناءً على مذكرة توقيف قضائية صادرة عن محكمة تحقيق أمن السليمانية بموجب المادة 56 من قانون العقوبات العراقي، المتعلقة بـ “زعزعة الأمن والنظام العام”.

قبل الاعتقال، بث جنكي رسالة مصورة من سطح الفندق، وصف فيها قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني بـ “الفاسدة والخائنة”، مؤكدًا أنه اختار البقاء في كردستان لمواصلة نضاله مع الشعب الكردي، ودعا المواطنين للنزول إلى الشوارع لمواجهة “السلطة المستبدة”.

خلفية سياسية

“لاهور شيخ جنكي” من عائلة طالباني السياسية النافذة وابن شقيقة الرئيس العراقي الراحل “جلال طالباني”.

كان قياديًا بارزًا في الاتحاد الوطني الكردستاني حتى عام 2021، حيث تم تهميشه بعد خلافات حادة مع “بافل طالباني” الرئيس الحالي للحزب.

بعد ذلك أسس جنكي حزب جبهة الشعب، الذي شارك في انتخابات برلمان كردستان 2024 وحصل على مقعدين، مما جعله منافسًا سياسيًا في معقل الاتحاد الوطني بالسليمانية.

لاحظ نشطاء سياسيون أن عملية الاعتقال جاءت في سياق صراع طويل الأمد بين الجنكي وقيادات الاتحاد الوطني، مما عزز التخوفات من أن الحدث قد يكون محاولة لإزالة منافس سياسي قبل انتخابات مستقبلية، وهو ما وصفوه بـ”محاولة انقلابية جزئية” على النفوذ داخل السليمانية.

السياق القضائي والاعتراضات

صدرت مذكرة توقيف يوم 21 آب/ أغسطس، بتهمة “زعزعة الأمن والنظام العام”، إلا أن جنكي وأنصاره نفوا تلقي أي إشعار رسمي، مما أثار جدلاً حول شرعية العملية.

السلطات الأمنية دافعت عن نفسها مؤكدة أن الاعتقال استند إلى مذكرة قضائية، وأن أنصار جنكي بادروا بإطلاق النار على القوات، ما أدى إلى الاشتباكات.

مع ذلك، رأى بعض النشطاء أن استخدام القوة العسكرية المكثفة واعتقال قيادي معارض يعكس دوافع سياسية، وهو ما يضيف بعدًا يشبه المحاولة الانقلابية على مستوى النفوذ الحزبي الداخلي.

اعتقالات أخرى وتعزيز السيطرة

لم تقتصر التحركات على “لاهور شيخ جنكي” إذ طالت أيضًا زعيم المعارضة “شاسوار عبد الواحد” رئيس حركة “الجيل الجديد”، الذي يُعد أبرز منافس سياسي للاتحاد الوطني في السليمانية، والنائب السابق عن جماعة العدل الكوردستانية “صباح برزنجي” ضمن خطوة لتأمين هيمنة الاتحاد الوطني على المحافظة قبل الانتخابات القادمة.

يعكس الحدث أيضًا أبعادًا إقليمية ودولية، حيث يرى محللون أن جنكي مرتبط بالمحور التركي–الأمريكي بحكم خلفيته الأمنية وعلاقاته السابقة في مكافحة الإرهاب والتنسيق مع أنقرة وواشنطن.

بالمقابل، يميل “بافل طالباني” إلى المحور الإيراني، ويستفيد من دعم قوى الإطار التنسيقي في بغداد، ما يعزز فرضية أن تحركاته لتثبيت السيطرة على السليمانية جاءت بضوء إيراني.

هذا التقاطع الإقليمي يجعل السليمانية نقطة ضغط مهمة بين محورين متنافسين في الإقليم، ويعيد رسم الثنائية الحزبية التقليدية بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني.

ردود الفعل

دعا رئيس وزراء إقليم كردستان “مسرور بارزاني” إلى وقف الاشتباكات فورًا وحل الخلافات عبر القنوات القانونية.

وطالب حزب جبهة الشعب القنصليات الدبلوماسية والحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بعدم الصمت إزاء ما وصفه بـ “العمل الإرهابي”، محملاً “بافل طالباني” المسؤولية عن سلامة جنكي.

خارج الإقليم، أعربت الحكومة العراقية عن أسفها للأحداث، ودعت إلى تنفيذ الإجراءات القانونية دون “ترهيب المواطنين”.

واعتبر بعض المحللين أن الاعتقال يمثل محاولة لتصفية منافس سياسي بارز، مؤكدين أن شعبية جنكي بين الشباب ونجاح حزبه الناشئ جعلته هدفًا للقمع.

يرى بعض الناشطين والمراقبين أن طبيعة الاشتباكات، واستخدام القوة، واعتقال قيادي معارض، تعطي الحدث طابعًا يشبه محاولة انقلاب داخلية أو تصفية سياسية على مستوى النفوذ الحزبي في السليمانية.

الهجمات بطائرات مسيرة على منزل بافل طالباني في منطقة دباشان أُشير إليها كعامل يزيد التوتر، لكنها لا تثبت صلة مباشرة بجنكي.

الحدث كشف هشاشة الوضع السياسي والأمني في السليمانية وإقليم كردستان، وعزز سيطرة الاتحاد الوطني على السليمانية قبل الانتخابات المقبلة، ويمكن أن يكون له انعكاسات محتملة على الاستقرار الإقليمي، خصوصًا مع وجود نفوذ إيراني وتركي متنافس.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى