شؤون تحليلية عربية

بلجيكا والمغرب: صفقة “السياسة مقابل الأمن” في قضية الصحراء

يشهد التقارب المغربي البلجيكي تطورًا ملحوظًا، مدفوعًا بمصالح مشتركة في مجالات الأمن والسياسة. يرتكز هذا التقارب على مراجعة اتفاقية نقل السجناء بين البلدين، ويهدف إلى إقرار بلجيكي محتمل لمقترح المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية. تُعَدّ هذه العلاقة نتاجًا لضغوط داخلية في بلجيكا تتعلق باكتظاظ السجون، بالإضافة إلى اعتبارات ديموغرافية مرتبطة بالجالية المغربية الكبيرة.

دوافع التقارب بين بروكسل والرباط

  1. مصالح أمنية وقضائية متبادلة
    يُعَدّ اكتظاظ السجون البلجيكية محركًا رئيسيًا لهذا التقارب. تواجه بلجيكا تحديًا كبيرًا، حيث تعمل سجونها بنسبة 120% من طاقتها الاستيعابية، ويُشكّل السجناء المغاربة جزءًا كبيرًا منهم (نحو ألف سجين من أصل 13 ألفًا). تسعى بلجيكا إلى تسهيل ترحيل هؤلاء السجناء عبر مراجعة اتفاقية 1999، بينما يستغل المغرب هذه الحاجة التفاوضية للحصول على دعم سياسي في قضية الصحراء.
  2. الوزن السياسي للجالية المغربية
    تُمثل الجالية المغربية أكبر جالية أجنبية في بلجيكا، حيث تُشكّل نحو 6% من إجمالي السكان. هذا الثقل الديموغرافي يُعطيها تأثيرًا انتخابيًا كبيرًا، ويجعل الأحزاب السياسية البلجيكية حريصة على تجنب أي مواجهة مع مصالحها. يلعب النواب البلجيكيون من أصول مغربية دورًا محوريًا في حشد الدعم لموقف الرباط، مستفيدين من شبكاتهم البرلمانية والجالية.

تطور الموقف البلجيكي

بدأت ملامح التحول في الموقف البلجيكي تظهر بوضوح في عام 2025:
• زيارة رئيس الحركة الإصلاحية: في أيار/ مايو 2025، زار جورج لويس بوشيز المغرب وأعلن دعمه المبدئي لمقترح الحكم الذاتي.
• تصريحات دبلوماسية: وصف وزير الخارجية بالنيابة آنذاك، برنارد كوينتين، مقترح المغرب بأنه “أساس جيد جدًا” لحل النزاع.

العوامل المُسهّلة والعوائق

العوامل المُسهّلة
• تكوين الحكومة: يضم الائتلاف الحكومي الجديد قوى يمينية ومحافظة لا تُعارض فكرة الاعتراف بالسيادة المغربية.
• الدعم البرلماني: يُسهم نواب من أصول مغربية، مثل أحمد لعوج ولطيفة آيت بعلة، في تعزيز الدعم السياسي لموقف الرباط.

العوائق
• الانقسام الحكومي: يُواجه الائتلاف الحاكم انقسامًا داخليًا حول ملفات الشرق الأوسط، مثل قضية غزة والاعتراف بفلسطين. أدى هذا الانقسام إلى تأجيل التصويت على المقترح المغربي، رغم النية لإدراجه في الأجندة التشريعية.
• المعارضة السياسية: يُعبّر الحزب الاشتراكي وبعض نوابه عن تحفظاتهم، خاصةً بشأن الربط بين الاعتراف بقضية الصحراء وملف السجناء.

الأبعاد المستقبلية والتداعيات

إن اعتراف بلجيكا بمقترح الحكم الذاتي في الصحراء الغربية يُمكن أن يُشكل سابقة مهمة لدولة ذات ثقل في الاتحاد الأوروبي. هذا الاعتراف قد يُشجع دولًا أوروبية أخرى على اتخاذ مواقف مماثلة، مما يُعزز الموقف المغربي على الساحة الدولية.
عموماً يُمثل هذا التقارب صفقة “سياسة مقابل أمن”، حيث تُقدم بلجيكا دعمًا سياسيًا للمغرب في ملف الصحراء الغربية مقابل تعاون أمني وقضائي في ملف السجناء. يُعكس هذا التحول إعادة هندسة للشراكة بين البلدين، تدمج بين المصالح القضائية والأمنية والجيوسياسية.

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى