شؤون تحليلية عربية

“ثمن التواطؤ”: كيف تدفع مصر فاتورة حرب غزة؟

يمثل اندلاع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة اختبارًا حقيقيًا للموقف المصري، خاصة أن القاهرة ارتبط اسمها تاريخيًا بملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ورعاية اتفاقيات التهدئة. لكن الموقف المصري في الأيام الأولى من الحرب اتسم بالجمود والحذر، ما فتح الباب واسعًا أمام انتقادات حادة من الشارع المصري والقوى الفلسطينية والإقليمية، التي رأت في هذا الموقف شكلًا من أشكال التواطؤ أو التقاعس في لحظة حرجة.

جمود الموقف في بداية الحرب وتداعياته

في الأيام الأولى من الحرب على غزة، اتسم الموقف المصري بدرجة عالية من الحذر والبرود السياسي. فقد اكتفت القاهرة بإصدار بيانات دبلوماسية عامة تدعو إلى ضبط النفس ووقف التصعيد، دون أن تتخذ خطوات عملية من شأنها التأثير المباشر على سلوك إسرائيل أو الحد من عدوانها. هذا الخطاب بدا تقليديًا وروتينيًا، بعيدًا عن ممارسة أي ضغوط علنية أو ملموسة.
في الوقت نفسه، غاب عن مصر استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية المعتادة، مثل التلويح بتجميد أشكال التعاون مع تل أبيب أو توظيف ثقلها الإقليمي لإجبار إسرائيل على مراجعة سياساتها. هذا الغياب ترك انطباعًا بأن القاهرة تتعامل مع الحرب بقدر من السلبية، وكأنها تحاول تفادي الدخول في مواجهة سياسية أو إقليمية مكلفة.
كما تجنبت مصر منذ البداية أي محاولة للانخراط في خطط أو ترتيبات تخص قطاع غزة، خشية أن يؤدي ذلك إلى تحميلها عبء إدارة القطاع أو تورطها في مسؤوليات إنسانية وأمنية لا ترغب بتحملها. هذا التردد عزز الشعور بأن القاهرة تراقب المشهد أكثر مما تسعى إلى التأثير فيه. وزاد الأمر تعقيدًا البطء الواضح في التعامل مع ملف المعابر وعدم نجاح مصر في إظهار جرم إسرائيل، إذ ظل معبر رفح شبه مغلق خلال الأيام الأولى، ما فاقم الأزمة الإنسانية داخل القطاع وأعطى انطباعًا بوجود نوع من التواطؤ أو على الأقل تقاعس مصري عن أداء دور حاسم. هذا السلوك جعل صورة مصر في نظر كثيرين مرتبطة بالتقصير في لحظة مفصلية كان يُنتظر منها أن تتحرك بقوة وسرعة.

تداعيات داخلية وإقليمية

في ظل هذا الموقف، عاشت مصر ضغوطًا ضخمة لتمرير مشروع التهجير، وحالت الدولة العميقة دون ذلك، مما يُعتبر نجاحًا يُحسب للنظام المصري في هذا الملف. إلا أن الموقف المصري المعيب سمح للجمهور العام بانتقاد مصر بحدة وتطرف، دونًا عن لاعبين إقليميين آخرين كانوا أولى بالانتقاد. دفع كذلك النظام المصري ثمن تمسك حماس بالسلطة وغضبهم لاستبعاد النظام المصري لهم في خطة “اليوم التالي”، ودفع الإعلام تجاه شيطنة الموقف المصري وتوجيه غضب الجماهير تجاهه في مشهد تمثل في حصار السفارات من قِبل شباب معروفين برغبتهم في حصد التفاعل عبر الإنترنت وغياب وعيهم السياسي.

على الصعيد الاقتصادي، لم تأتِ الظروف في صالح مصر، إذ عاشت أزمة حقيقية في ملف الغاز ما دفعها للاستيراد من تركيا على هيئة سفن تغويز، تدفع مصر مقابلها زيادة 60% عما يمكن أن تدفعه للاستيراد من إسرائيل، الأمر الذي دفع مصر لإتمام صفقة تزيد من هيمنة إسرائيل.
على الصعيد الإعلامي، لم تنجح مصر في إبراز صورتها وتنقيتها. وفي التوقيت ذاته، لا تتوافق الأجندة القمعية للأمن المصري مع أهمية استيعاب الشعب المصري والعربي في الوقت الحرج الحالي. كذلك لم تنجح حكومة السيسي في إصلاح الوضع الداخلي الاقتصادي والسياسي، كل هذا يؤدي إلى حتمية سقوط الحكومة الحالية أولًا وسقوط السيسي ثانيًا.

سيناريوهات مستقبلية

يشير التحليل إلى أنه بات مكلفًا للغاية إسقاط الرئيس السيسي بثورة أو انقلاب خشن، لأنه حال حدوث ذلك يعني أن ملفي سيناء وقناة السويس في مهب الريح. ويبقى الاختيار على إسقاطه من داخل الجيش بصورة ناعمة، على شكل منعه من خوض الانتخابات على سبيل المثال، وهو الشيء الذي لا يلوح في الأفق حتى الآن. هذا الوضع يقودنا نحو حتمية حدوث فوضى عارمة ونكسة جديدة تكسر استقلالية مصر كدولة وتهدد العالم العربي بأسره.
المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى