شؤون تحليلية دولية

المراكز الدينية الإيرانية في أوروبا.. ذراع مالية واستخباراتية لطهران

تعتبر المراكز الدينية الشيعية الإيرانية في الدول الأوروبية، بمثابة ذراع مالية ودعائية واستخباراتية لنظام طهران، وتتميز هذه المراكز بأن كثيرًا منها يتبع مباشرة للمرشد “علي خامنئي”، وفي الأشهر الأخيرة زادت الضغوط الحكومية الأوروبية على هذه المراكز، وخاصة مع انتشار تقارير وتحقيقات تكشف تورطها بتنفيذ أجندة مرتبطة بالنظام الإيراني.

كشفت صحيفة “برلينسكه” الدنماركية، السبت 16 آب/ أغسطس، بعد حصولها على وثائق مصرفية، ومراسلات داخلية، ومستندات سرّية من وزارة الخارجية، عن وجود شبكات مالية وتنظيمية واسعة تربط مسجد الإمام علي في كوبنهاغن بالنظام الإيراني.

وتُظهر الوثائق، التي جرى فحصها، أن المسجد، الذي يُعد من أكبر مراكز الشيعة في الدنمارك، تلقّى ملايين الكرونات (العُملة الدنماركية) من مؤسسات ومتبرعين إيرانيين، ولعب دورًا بارزًا في الترويج للدعاية السياسية للنظام الإيراني.

كما أظهرت تقارير إعلامية دنماركية سابقة أنّ النظام الأساسي لمسجد الإمام علي ينصّ صراحة على أنه “خاضع لإشراف المرشد الإيراني”، وحتى في حالة حلّه، فإن ممتلكاته يجب أن تُحوّل إلى مسجد تابع لإيران في ألمانيا.

في سياق متصل، أعلنت الحكومة الألمانية في آب/ أغسطس 2024 حظر نشاط المركز الإسلامي في هامبورغ، متهمة إياه بـ الترويج لأيديولوجية النظام الإيراني، ودعم حزب الله اللبناني، والعمل ضد الدستور الألماني.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، شنّت الشرطة الألمانية حملة واسعة شملت مداهمة 54 مبنى تابعًا للمركز في سبع ولايات، منها هامبورغ، وبرلين، الأمر الذي مهّد الطريق لحظر رسمي لأنشطته ومؤسساته الفرعية.

وفي تموز/ يوليو الماضي، سلّمت السلطات الدنماركية إلى ألمانيا شخصًا من أصل أفغاني يُدعى “علي س.”، كان قد اعتُقل في كوبنهاغن للاشتباه في تجسسه لصالح إيران، وتبيّن أنّه كان يجمع معلومات عن مواقع وأشخاص مرتبطين بالجالية اليهودية في برلين، وكان على صلة وثيقة بالمركز الإسلامي في هامبورغ، مع تردده المتكرر على مسجد الإمام علي “المعروف بالمسجد الأزرق” هناك.

وكشفت مجلة “دير شبيغل” الألمانية أنّ رئيس المركز الإسلامي المغلق في هامبورغ كان يتلقى تعليماته مباشرة من المرشد “علي خامنئي”.

الخيط الذي يربط كوبنهاغن بهامبورغ هو تحويل الدين إلى ذراع دولة، من خلال التمويل الموجّه، والتعيينات الخاضعة لوصايةٍ خارجيّة، والتكليفات الدعائية الاستطلاعية التي تُسخِّر البنية الدينية لغرضٍ سياسيّ.

التجربة الألمانية تُظهر أن الملف قابل للحسم حين تتراكم الأدلة وتُستَخدم أدوات الدولة القانونية بثباتٍ وشفافية، على الجانب الآخر، الملف الدنماركي يتجه، على الأرجح، إلى سجال تشريعي-قضائي أوسع إذا تأكدت معلومات “برلينسكه”.

في المقابل، الحفاظ على حريّة العبادة مع تحييد الذراع السياسية/الاستخباراتية هو التحدّي الحقيقي أمام العواصم الأوروبية اليوم.

كيف تعمل المنظومة الإيرانية في أوروبا؟

هندسة شبكية: ربط المساجد والمراكز بـالمرجعية المؤسسية في قم (جامعة المصطفى) ومجمع أهل البيت، ما يضمن وحدة الرسالة والتعبئة العابرة للحدود، ويخلق مسارات وظيفية لأئمة محليين ذوي ولاء سياسي-ديني.

قنوات التمويل: خليط من جمعيات “خيرية” إيرانية، وتجار متبرعين، وأحيانًا سفارات كقنوات تمويهية/خدمية، مع استثمار في أصولٍ عقارية تُوفّر مأوىً ونفوذًا مجتمعيًا طويل الأجل.

 دعاية وتعبئة: رسائل متّسقة مع السردية الرسمية لطهران (معاداة التطبيع، شرعنة أذرع مثل حزب الله، تعبئة مناسباتية)، وقد وثّق الألمان تلقي خطوط دعاية من مكتب المرشد. 

وظائف أمنية بالوكالة: استخدام الغطاء الديني-الثقافي لتسهيل الاستطلاع البشري داخل الجاليات، ورصد الخصوم والمنشقين، وربط ذلك بمهام ينجزها أفراد محليون أو مزدوجو الإقامة، (قضية “علي س.” مثالٌ طازج).

قابلية التكيّف الإيرانية: عند إغلاق كيان، تنتقل الشبكات إلى واجهاتٍ جديدة (جمعياتٍ ثقافية، منصّاتٍ إعلامية، أو مساجد أخرى)، وتستخدم التقاضي و”التمكين الحقوقي” لإطالة أمد النشاط، (رئيس المركز الإسلامي في هامبورغ طعن في إجراءات الإبعاد).

المصدر: بوليتكال كيز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى