الصين تتهيأ لتشغيل منجم “ميس عينك” للنحاس في أفغانستان
تتهيأ الصين للانطلاق فعليًا في تشغيل أحد أهم وأكبر مشاريعها المعدنية في الخارج، منجم “ميس عينك” للنحاس في قلب أفغانستان، بعد سنوات من الجمود والتأجيل.
المشروع الذي يقع وسط جبال ولاية لوغار، وبجانب آثار تاريخية تعود للعصر البرونزي، يبدو أنه تحول من مجرّد مشروع اقتصادي إلى ملف استراتيجي له أبعاد تتجاوز الاستثمار، وسط تحديات أمنية وسياسية وثقافية.
أعلنت بكين قرب بدء استخراج النحاس من منجم “ميس عينك”، بعد إتمام الطريق الواصل إلى الموقع والتفاهم مع حكومة أفغانستان بشأن الترتيبات اللازمة.
المشروع الذي فازت به شركة MCC الصينية منذ عام 2008 توقف لعقد ونصف بسبب الصراعات المسلحة والتقلبات السياسية، لكنه عاد إلى الواجهة بعد أن أنفقت الصين أكثر من 430 مليون دولار دون تحقيق عوائد.
المنجم يحتوي على أكثر من 700 مليون طن من الخامات، ما يجعله من أكبر مصادر النحاس في العالم، وهو عنصر أساسي في الصناعات الحديثة.
غير أن غياب الاعتراف الدولي بحكم طالبان، وانعدام الثقة بقدرتها على ضمان الأمن أو الوفاء بالعقود، يجعل هذا الاستثمار مغامرة عالية المخاطر.
الخلفية التاريخية للمشروع
حصلت شركة “مجموعة الصين للتعدين والتعدين الميتالورجي” في عام 2008، على امتياز تطوير منجم ميس عينك لمدة 30 عامًا، واستعدت حينها لضخ استثمارات ضخمة في الموقع.
لكن المشروع جُمد مبكرًا بسبب الأوضاع الأمنية، وعدم استقرار الحكومات، وعدم توفر البنية التحتية الأساسية، إلى جانب وجود مواقع أثرية ذات أهمية كبيرة في المنطقة، ما استدعى تدخلًا من هيئات التراث الدولية.
اليوم، وبعد أكثر من 15 عامًا من التوقف، عادت الصين لإحياء المشروع، بعد إعلان استكمال الطريق المؤدي إليه، والتوصل إلى تفاهمات أولية مع حكومة طالبان.
الرهانات الاقتصادية والمعدنية
يحتوي منجم “ميس عينك” على ما يقارب 705 ملايين طن من الخامات القابلة للاستخراج، مع قدرة إنتاجية تصل إلى أكثر من 11 مليون طن من النحاس.
هذا المورد الحيوي يدخل في تصنيع السيارات الكهربائية، والأسلحة المتطورة، والبنية التحتية للطاقة المتجددة.
وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع الطلب العالمي على النحاس بنسبة تزيد عن 40% بحلول عام 2040، ما يجعل الموقع هدفًا استراتيجيًا للصين، التي تسعى لتأمين سلسلة إمدادات المعادن الضرورية لصناعاتها، خاصةً مع اشتداد المنافسة العالمية على المعادن الحرجة.
التحديات الأمنية والسياسية
رغم إعلان الصين عن اقترابها من بدء التشغيل، إلا أن عقبات عديدة لا تزال قائمة، أبرز هذه التحديات تتمثل في الألغام المنتشرة حول الموقع، ووجود جماعات مسلحة قد تستهدف المشروع، إضافة إلى الصراعات داخل طالبان نفسها، حيث لا يزال التنظيم يعاني من انقسامات وضعف القدرة على ضبط كامل الأراضي الأفغانية.
مدير مركز الدراسات الأفغانية في جامعة لانتشو الصينية، الدكتور “شو يونغبياو” اعتبر أن المشروع لا يزال مهددًا بالإلغاء في أي لحظة، مستشهدًا بما حدث مؤخرًا مع شركة صينية أخرى أُلغي عقدها رغم وجود استثمارات تفوق 500 مليون دولار، كما أن عدم اعتراف الغرب بحكومة طالبان يجعل فرض العقوبات على مثل هذه المشاريع أمرًا واردًا في أي وقت.
الصين تلعب بحذر
رغم التنسيق المتزايد بين الصين وطالبان، لم تعترف بكين رسميًا بالحكومة، لكنها أبقت سفارتها في كابل واستقبلت وفودًا رفيعة منها.
ويرى المراقبون أن الصين تتعامل بحذر، وتسعى لربط التعاون الاقتصادي بمطالب سياسية وأمنية محددة، أبرزها منع نشاط جماعة تركستان الشرقية، واحترام الحد الأدنى من الحقوق والحكم الرشيد.
ويبدو أن الصين وافقت على بدء تشغيل المنجم تحت ضغوط من طالبان، في مقابل الحصول على وعود بالتزام أمني وإداري، غير أن هذه الوعود لم تثبت فعاليتها في تجارب سابقة، كما أن الضغط الغربي على أي نفوذ صيني في أفغانستان لا يزال قائمًا.
المصدر: بوليتكال كيز




