بين أنقرة وبغداد.. أين وصلت محادثات الانسحاب التركي من شمال العراق؟
في تحول لافت في ملف العلاقات العراقية–التركية، بدأت بغداد وأنقرة جولة محادثات جديدة تهدف إلى إنهاء الوجود العسكري التركي في شمال العراق، المستمر منذ عقود.
هذه المفاوضات جاءت بعد تطورات مفصلية، أبرزها إعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه، وهو المبرر الأهم الذي اعتمدت عليه تركيا لتبرير وجودها.
ومع تعقيد الملفات المرتبطة بسنجار، و”مظلوم عبدي” والحدود السورية، تدخل هذه المحادثات مرحلة دقيقة بين السيادة والمصالح الإقليمية المتشابكة.
تخوض بغداد وأنقرة مفاوضات حساسة تهدف إلى إنهاء الوجود العسكري التركي في شمال العراق، بعد إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه. تطالب الحكومة العراقية بجدول زمني واضح للانسحاب ينتهي مطلع 2026، فيما تشترط أنقرة مهلة أطول وضمانات أمنية، خصوصًا نزع سلاح الفصائل المرتبطة بالحزب في سنجار وتحجيم نفوذ مظلوم عبدي في سوريا.
بغداد ترفض ربط الانسحاب بملفات خارجية، معتبرة ذلك مساسًا بسيادتها، وبينما يُنظر إلى المحادثات كفرصة لإنهاء عقود من التوتر، يبقى نجاحها مشروطًا بالتفاهم على أولويات الأمن والسيادة بعيدًا عن التعقيدات الإقليمية.
المحادثات
تشهد العاصمة العراقية بغداد مفاوضات أمنية مكثفة مع تركيا تشمل مستشارية الأمن القومي ووزارات الدفاع والمخابرات في البلدين، بهدف التوصل إلى اتفاقية أمنية تُنهي الوجود العسكري التركي في شمال العراق، وتضع جدولًا زمنيًا واضحًا للانسحاب.
موقف بغداد
يؤكد العراق أن لا مبرر لبقاء القوات التركية بعد حل حزب العمال الكردستاني، رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” صرّح لوكالة أسوشيتد برس بأن السيادة العراقية لا تقبل وجود قوات أجنبية دون تنسيق رسمي، مطالبًا بانسحاب شامل قبل بداية عام 2026.
موقف أنقرة
تقترح تركيا مهلة تمتد لعامين لاستكمال انسحاب تدريجي، مشروطة بعدة عوامل أمنية، منها نزع سلاح فصائل الحزب في سنجار، خاصة “وحدات حماية سنجار” (YBŞ)، وضمان عدم تصاعد نفوذ “مظلوم عبدي” قائد قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، الذي تعتبره أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، والربط الأمني بسوريا، حيث ترى تركيا أن أي فراغ أمني في سنجار أو شمال سوريا قد يُستغل لإعادة تموضع الحزب.
مصدر رفيع في الاستخبارات العراقية رفض ربط الانسحاب التركي بملفات خارجية كسوريا، واعتبر أن ذلك يُعقّد المسار التفاوضي، مطالبًا بتركيز المحادثات على الشأن العراقي حصريًا.
ويشار إلى أن تركيا تحتفظ بأكثر من 80 قاعدة و200 نقطة عسكرية شمال العراق، تضم أكثر من 5000 جندي، موزعين بين محافظات نينوى ودهوك وأربيل، وتحديدًا في مناطق جبلية استراتيجية مثل قنديل وسنجار.
بررت أنقرة تدخلها بمكافحة “الإرهاب”، مستهدفة حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يتخذ من جبال العراق قاعدة لانطلاق عملياته، إلا أن بغداد تعتبر هذا الوجود انتهاكًا للسيادة، خصوصًا مع غياب اتفاق رسمي شامل بين بغداد وأنقرة، واقتصار التفاهمات على التنسيق مع إقليم كردستان.
تُعد منطقة سنجار نقطة التقاء حساسة بين المكونات الإيزيدية، الفصائل المسلحة، ومصالح إقليمية ودولية، وجود وحدات حماية سنجار، التي تنفي ارتباطها بالحزب، ترفض تركيا الاعتراف بها وتراها تهديدًا.
إعلان حل حزب العمال الكردستاني
أعلن حزب العمال الكردستاني في 12 أيار/ مايو، حل نفسه رسميًا، واستكملت رمزيًا عملية إحراق الأسلحة في 11 تموز/ يوليو، تنفيذًا لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان، المعتقل منذ 1999.
رغم الترحيب بهذه الخطوة، أشارت تقارير استخباراتية إلى أن بعض الفصائل، خاصة في سنجار، لم تستكمل عملية تسليم الأسلحة، ما يُبقي الباب مفتوحًا لمخاوف أنقرة من إمكانية عودة التهديد.
يُتوقع أن يتحول الحزب إلى كيان سياسي شرعي بحلول 2026، ضمن اتفاق سلام شامل، ما يشكل تحولًا تاريخيًا في الملف الكردي.
دور مظلوم عبدي والوضع السوري
تصر تركيا على ربط انسحابها من العراق بمستقبل العلاقة بين دمشق وقائد قوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” الذي تعتبره تهديدًا لأمنها القومي.
بغداد ترفض ربط الانسحاب التركي بملفات تخص الوضع في سوريا، وتُصرّ على عدم إقحام معطيات خارجية في مفاوضات تنحصر ضمن الأراضي العراقية، معتبرة أن ذلك إضعاف لمبدأ السيادة.
تواصل تركيا رغم إعلان حل الحزب، شن ضربات جوية على ما تقول إنها مواقع لحزب العمال في شمال العراق، بما فيها مناطق جبال قنديل ودهوك، ما أثار استياء الحكومة العراقية.
الوضع في سنجار لا يزال مصدرًا رئيسيًا للتوتر، إذ تصر تركيا على تفكيك كل الفصائل المسلحة هناك، بينما تدافع تلك الفصائل عن شرعيتها كقوة محلية، خصوصًا في ظل ضعف الحكومة المركزية في تلك المناطق.
فرصة تاريخية للتقارب
يمثل حل حزب العمال الكردستاني فرصة استراتيجية لإنهاء النزاع المزمن، وفتح صفحة جديدة في العلاقات العراقية–التركية.
هذه اللحظة يمكن أن تكون مدخلًا لمعالجة قضايا معقدة مثل المياه، وتصدير النفط، والمشاريع الاستراتيجية كـ”طريق التنمية”.
هناك تحديات كبرى، الملف السوري يبقى عقدة أساسية، إذ تربط تركيا أمنها بتركيبة شمال سوريا، كما أن استمرار بعض الفصائل المسلحة في سنجار يعقد ثقة أنقرة في استقرار الوضع.
بالإضافة إلى ذلك، هناك الاعتبارات السياسية التركية، قد تستخدم الحكومة التركية هذا الملف داخليًا لتبرير استمرار التواجد العسكري أطول مما يلزم.
يلعب إقليم كردستان دور الوسيط، لكنه مرتبط بعلاقات وثيقة مع تركيا، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على تمثيل رؤية عراقية وطنية موحدة في هذا الملف.
محادثات بغداد–أنقرة لبحث انسحاب القوات التركية من شمال العراق تدخل مرحلة دقيقة من التفاوض، فيما تطالب بغداد بجدول زمني واضح ينتهي خلال أشهر، تربط تركيا انسحابها بمخاوف أمنية أوسع تشمل سنجار وشمال سوريا، وهو ما تعتبره بغداد تعقيدًا للمفاوضات.
رغم إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه، فإن بقاء بعض فصائله المسلحة، واستمرار الضربات التركية، يُبقي الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة.
نجاح المحادثات قد يكون نقطة تحول في العلاقات الإقليمية، ودعمًا لاستقرار العراق، لكنه مرهون بقدرة الأطراف على الفصل بين الملفات وتقديم تنازلات واقعية.
المصدر: بوليتكال كيز




