“قوة ناعمة بالسلاح”: كيف تستخدم مصر ونيجيريا ورواندا جيوشها لكسب النفوذ الإقليمي؟
في تحول استراتيجي لافت، لم تعد القوة العسكرية في أفريقيا مجرد وسيلة للدفاع عن الحدود، بل أصبحت أداة فعالة للدبلوماسية والاقتصاد. من خلال نشر قدراتها العسكرية بشكل مدروس، تسعى قوى إقليمية مثل مصر، ونيجيريا، ورواندا إلى تعزيز نفوذها الدبلوماسي، وتأمين شراكات اقتصادية، وترسيخ مكانتها كلاعبين أساسيين في القارة. هذا التقرير يحلل كيف تستخدم هذه الدول “القوة الصلبة” لخدمة أهداف “القوة الناعمة”.
رواندا: من الصراع إلى “شرطي أفريقيا”
تُقدم رواندا نموذجًا فريدًا في هذا الإطار. فمنذ مطلع الألفية، أدرك الرئيس بول كاغامي أن استخدام الجيش يمكن أن يخدم طموحات بلاده. أصبحت رواندا اليوم واحدة من أكبر المساهمين في قوات حفظ السلام الأممية، وهو ما أكسبها احترامًا دوليًا. هذا الدور البارز منح كيغالي نفوذًا دبلوماسيًا، ما يفسّر تردد الاتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا، في انتقاد سياساتها في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
كما برزت رواندا كفاعل محوري في تصدير الخبرات الأمنية، حيث تُقدم التدريب العسكري لدول أفريقية أخرى مثل أفريقيا الوسطى وموزمبيق، مما يُعزز علاقاتها الثنائية ويفتح لها آفاقًا للتعاون الاقتصادي. وتتمركز قواتها في موزمبيق لحماية مشاريع الطاقة لشركات دولية كبرى، مما يُظهر كيف تُستخدم القوة العسكرية لتحقيق مصالح اقتصادية مباشرة.
مصر: الجيش كأداة للدبلوماسية الوطنية
يُعد الجيش المصري، بـ 450 ألف جندي نشط، القوة العسكرية الأبرز في أفريقيا والشرق الأوسط. في ظل قيادة عسكرية، يُعد الفصل بين النفوذ العسكري والسياسة الوطنية أمرًا صعبًا. وبعد تعليق عضويتها في الاتحاد الأفريقي عام 2013، حرصت القاهرة على إعادة بناء حضورها القاري من خلال الدبلوماسية العسكرية.
تُسهم مصر بفعالية في قوات حفظ السلام الأممية وتُجري تدريبات عسكرية مشتركة مع جيرانها. كما تُدرّب مؤسساتها الأمنية ضباطًا من 45 دولة أفريقية عبر أكاديمياتها العريقة، وتُشارك خبراتها في مكافحة الإرهاب مع دول الساحل. ومع ذلك، تواجه طموحات القاهرة تحديات جيوسياسية، أبرزها عدم قدرتها على التأثير في ملفات إقليمية حاسمة مثل سد النهضة الإثيوبي، وضعف نفوذها في ليبيا والسودان.
المغرب: تصدير الأمن والمعرفة كقوة ناعمة
على مدار عقود، استخدم المغرب التعاون العسكري كرافعة دبلوماسية لتعزيز حضوره في أفريقيا. تستقبل الأكاديميات العسكرية المغربية في مكناس والقنيطرة والدار البيضاء مئات الكوادر الأفريقية سنويًا، والذين غالبًا ما يشغلون مناصب رفيعة في بلدانهم، مما يُعزز روابطهم مع الرباط.
تُركّز الدبلوماسية العسكرية المغربية على منطق القوة الناعمة من خلال اتفاقيات التدريب الثنائية مع دول الساحل. بالإضافة إلى ذلك، تُشارك القوات المسلحة الملكية في تدريبات دولية مثل “الأسد الأفريقي” وتُنشر في عمليات حفظ السلام. وبدأت المملكة في تطوير صناعة دفاعية محلية، مما يُعزز استقلاليتها وقدرتها على تصدير الخبرات.
نيجيريا: ثقل عسكري ودبلوماسية هادئة
تمتلك نيجيريا أكبر جيش في غرب أفريقيا، وتُعد مؤسساتها العسكرية أداة مهمة لسياساتها الخارجية. تُدرّب كلية الدفاع الوطني ضباطًا من 20 دولة أفريقية على الأقل، مما يُعزز شبكة نفوذ أبوجا الإقليمي.
لعب الجيش النيجيري دورًا محوريًا في استعادة الحوار مع المجلس العسكري في النيجر بعد انقلاب 2023، كما تصدّرت البلاد جهود التكامل الأفريقي وحفظ السلام، حيث أنفقت مليارات الدولارات على عمليات حفظ السلام في القارة. وتُظهر هذه الجهود كيف تُسخّر نيجيريا ثقلها العسكري لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بما يخدم مصالحها الدبلوماسية.
وختاماً، تُشكل تجارب كل من مصر ونيجيريا ورواندا والمغرب دليلًا على تحول استراتيجي في السياسة الخارجية الأفريقية. هذه الدول لم تعد تنظر إلى جيوشها كأداة للدفاع فقط، بل كأداة فعالة لبناء النفوذ الدبلوماسي، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وترسيخ مكانتها كقوى إقليمية لا يُمكن تجاهلها.
المصدر: بوليتكال كيز + أفريكا ريبورت




