واشنطن تفتح الباب أمام الشركات الأمريكية للاستثمار في الصحراء الغربية
بعد سنوات من الترقب والتردد في أروقة واشنطن، تستعد الولايات المتحدة رسميًا لفتح الباب أمام الشركات الأمريكية للاستثمار في الصحراء الغربية، في خطوة تعكس تحولاً في السياسات تجاه الإقليم المتنازع عليه، وتُجدد الدعم للاعتراف الذي منحته إدارة ترامب عام 2020 بسيادة المغرب على المنطقة.
القرار يأتي بعد تقييمات أمنية واستخباراتية مطولة، وسط تنافس إقليمي ودولي متزايد على موارد المنطقة وفرصها الاقتصادية.
تنوي واشنطن السماح للشركات الأمريكية بممارسة الأنشطة الاقتصادية في الصحراء الغربية، بعد انتهاء التحقيقات الأمنية التي أجرتها وكالة الأمن القومي (NSA)، وبدفع مباشر من مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC).
وتستعد الأخيرة لضخ ما يصل إلى 5 مليارات دولار في مشاريع بمجالات الطاقات المتجددة، المعادن، السياحة، والبنية التحتية، ومن المنتظر افتتاح مكتب DFC في السفارة الأمريكية بالرباط أواخر 2025 أو مطلع 2026.
التحرك الأمريكي يمنح دفعة قوية للموقف المغربي، ويخلق تمايزًا واضحًا عن الحذر الأوروبي، بينما تُسجّل فرنسا حضورًا أكثر مرونة، وتراقب المملكة المتحدة الميدان من موقع قانوني مختلف.
يعود القرار الأمريكي إلى تغير في المزاج السياسي بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وتجدد الاهتمام بالموقع الجيوسياسي والاقتصادي للصحراء الغربية.
وبين أواخر 2024 ومنتصف 2025، نفّذت مؤسسة DFC بعثتين تقييميتين اجتمعتا مع فاعلين كبار في السوق المغربي، من بينهم BCP، والتجاري وفا بنك، ومجموعة OCP للفوسفات، والمكتب الوطني للكهرباء والماء.
تزامن التحضير مع استكمال تحقيقات وكالة الأمن القومي حول الوضع الأمني في الإقليم، في ظل استمرار التهديدات المتقطعة من جبهة البوليساريو، وتدهور جزئي في البيئة الأمنية منذ 2020.
تسعى واشنطن عبر DFC إلى تنفيذ مشاريع إمّا عبر شراكات استثمارية مع القطاع الخاص المغربي، أو عبر تمويلات مباشرة دون تدخل إداري أو حوكمي في الشركات المحلية.
ومن المقرر أن يكون مقر DFC في السفارة الأمريكية بالرباط، بعد تأخر افتتاحه نتيجة التبدلات الإدارية والسياسية في واشنطن.
في الوقت ذاته، بدأت شركات أمريكية بالفعل التحرك نحو المنطقة، متقدمة على نظرائها الأوروبيين الذين ما زالوا يخشون القيود القانونية الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية (CJEU).
في المقابل، حافظت فرنسا على مقاربة أكثر مرونة، حيث حصلت وكالة التنمية الفرنسية (AFD) على تصاريح رسمية للاستثمار في مجالات البنية التحتية المستدامة، وخصصت 150 مليون يورو لمشاريع تمتد على عامي 2025 و2026.
أما المملكة المتحدة، فقد أعادت ضبط موقعها القانوني بعد اعترافها بخطة الحكم الذاتي المغربية، وبدأت بدورها في تقييم الفرص المتاحة، مع زيارة قام بها وزير الخارجية ديفيد لامي للرباط في حزيران/ يونيو الماضي.
الخطوة الأمريكية تجاه الصحراء الغربية تعني الكثير، سياسيًا، تُعد إشارة واضحة إلى تثبيت الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية، دون الحاجة لإعلانات صريحة، من خلال الأدوات الاقتصادية والاستثمارية.
اقتصاديًا، تمثل المنطقة بوابة صاعدة للاستثمار في الطاقات المتجددة، الفوسفات، والسياحة البيئية، وهو ما يتماشى مع خطط التحول الاقتصادي الإقليمي.
أمنيًا، الاعتماد على تقييمات الاستخبارات الأمريكية يعطي غطاءً سياديًا لأي تحرك استثماري، ويجعل واشنطن شريكًا ضامنًا، ولو بصورة غير مباشرة، لاستقرار المنطقة.
في المقابل، تُطرح تساؤلات حول تداعيات هذه الخطوة على دور الأمم المتحدة، ومستقبل الوساطة في النزاع، مع احتمال تقويض أي مسار تفاوضي لا يُراعي توازن المصالح الجديدة.
كما أن تباين المواقف الأوروبية – بين الحذر الإسباني والانفتاح الفرنسي – يعكس هشاشة التوافق داخل الاتحاد الأوروبي، ويتيح للمغرب فرصة تعظيم المكاسب عبر تنويع الشراكات.
وفي ظل الانكفاء الجزئي لبعض الدول الخليجية عن ملفات النزاع، يبدو أن واشنطن ولندن وباريس ستتنافس على إعادة رسم المشهد الاستثماري والسياسي في جنوب المغرب، بمنطق النفوذ طويل الأجل أكثر من مجرد الربح قصير الأمد.
المصدر: بوليتكال كيز




