“الفشقة”.. مسرح المواجهة الثلاثية المقبلة بين تيغراي وإريتريا والسودان
في ظل تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، تتجه الأنظار مجددًا نحو مثلث الفشقة الحدودي، حيث يتقاطع الصراع الجغرافي مع توازنات عسكرية معقّدة تشمل السودان، وقوات تيغراي، وتحالفات إقليمية متشابكة.
تطلّع أديس أبابا إلى ضبط هذا المعبر الاستراتيجي لا ينبع فقط من النزاع التاريخي على الأرض، بل من مخاوف أمنية أعمق مرتبطة باحتمالات الانزلاق إلى صراع مفتوح على حدودها الغربية.
تسعى الحكومة الإثيوبية بقيادة آبي أحمد إلى تحييد منطقة الفشقة المتنازع عليها مع السودان، ليس بغرض الاستيلاء المباشر، بل لمنع تحويلها إلى قاعدة لوجستية لأي هجوم محتمل من قبل إريتريا أو قوات تحرير تيغراي.
في هذا الإطار، سلّم وفد إثيوبي رفيع رسالة إلى عبد الفتاح البرهان يطلب فيها الحياد السوداني وقطع العلاقات مع مقاتلي تيغراي المتواجدين على أراضيه منذ عام 2020.
لكن البرهان، المنخرط في صراع داخلي مع قوات الدعم السريع، رفض التجاوب، متمسكًا بتحالفه المتين مع أسمرة، ومع تصاعد التوترات، شهدت الفشقة هجومًا من ميليشيات أمهرا على بلدة ود كولي، ما يعيد إشعال التوترات الحدودية.
يمتد مثلث الفشقة على مساحة 250 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الزراعية الخصبة، ويتنازع عليه السودان وإثيوبيا منذ أكثر من قرن.
استعاد الجيش السوداني السيطرة على المنطقة خلال حرب تيغراي (2020–2022)، لكن إثيوبيا ترى اليوم أن وجود قوات معادية قرب حدودها الغربية – خصوصًا قوات تيغراي– يُشكّل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، خاصة مع تصاعد العداء بينها وبين إريتريا.
في 2 حزيران/ يونيو 2025، زار رضوان حسين رئيس جهاز المخابرات الإثيوبي، وغيتاشو رضا مستشار آبي أحمد، مدينة بورتسودان، حاملين رسالة تطالب البرهان بضمان الحياد في حال اندلاع نزاع مع أسمرة، وقطع الدعم عن قوات دفاع تيغراي (TDF) المنتشرة قرب القضارف.
لكن الرد السوداني كان سلبياً، إذ لا يزال الجيش السوداني يعتمد – سرًا أو علنًا – على مقاتلي تيغراي الذين ساعدوه في استعادة مناطق حيوية مثل الجزيرة والخرطوم خلال النصف الأول من عام 2025.
كما أن التحالف السوداني الإريتري الذي ترسّخ خلال الحرب، يُقلق إثيوبيا بشدة، خصوصًا بعد استضافة أسمرة لطائرات عسكرية سودانية، وتوفيرها التدريب لمجندين سودانيين في معسكرات قريبة من كسلا.
في هذا السياق، تتزايد مخاوف أديس أبابا من تحويل الفشقة إلى ممر عسكري لوجستي تستخدمه إريتريا لدعم هجوم محتمل على مناطق في شمال غرب إثيوبيا، لا سيما منطقة “ولكيت”، التي تشهد صراعًا شرسًا بين الأمهرا وجبهة تحرير تيغراي.
آخر المؤشرات على تصاعد التوتر تمثّلت في هجوم نفذته ميليشيات أمهرا في 13 تموز/ يوليو على بلدة ود كولي السودانية، شمل نهبًا للمزارعين وسرقة معدات ومحاصيل.
ورغم أن مثل هذه الاعتداءات ليست نادرة، إلا أن توقيتها وسياقه الإقليمي يعززان احتمال انفجار صراع جديد على الجبهة الحدودية.
يتحول مثلث الفشقة إلى ساحة اختبار جديدة للهشاشة الإقليمية في القرن الإفريقي، ما يبدو خلافًا حدوديًا تقليديًا يخفي وراءه صراعًا ثلاثي الأبعاد.
هذا الصراع الثلاثي قائم بين إثيوبيا التي تسعى لتحييد تهديدات الغرب بعد انفجار خلافها مع إريتريا، والسودان الذي يعيد بناء تحالفاته الداخلية والخارجية وسط حرب طاحنة؛ وقوات تيغراي التي تسعى لإعادة التموضع وتوسيع نفوذها، مستفيدة من تعقيدات الوضع السوداني.
وتبدو إريتريا الطرف الأكثر قدرة على التحرك غير المتوقع، عبر استخدام الفشقة كخط إمداد خلفي محتمل، أو كورقة ضغط جيوسياسي ضد كل من أديس أبابا والخرطوم.
أما موقف السودان، فيُعبّر عن إعادة تموضع استراتيجي للبرهان، الذي لا يرى في إثيوبيا شريكًا موثوقًا بعد تقاربها المؤقت مع “حميدتي”، وبالمقابل، يعزز تحالفه مع أسمرة موقعه عسكريًا، في ظل استمرار هجمات قوات الدعم السريع على مراكز الحكم شرق البلاد.
في ظل هذا المشهد المعقّد، تُعد الفشقة اليوم منطقة تماس متقلبة، قد تتحول في أي لحظة من هامش زراعي حدودي إلى نقطة اشتعال إقليمي بين ثلاث قوى عسكرية، تسعى كل منها لفرض واقع جديد في منطقة تمزقها الصراعات وتربكها التحالفات المتغيرة.
المصدر: بوليتكال كيز




