الكونغو وأمريكا: صفقة استراتيجية كبرى ترسم مستقبل شرق إفريقيا
تتجه جمهورية الكونغو الديمقراطية والولايات المتحدة نحو توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل قطاعات المعادن الحيوية والبنية التحتية، في خطوة من شأنها إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي والاقتصادي في منطقة البحيرات العظمى. يأتي هذا التطور بالتزامن مع مراسم توقيع اتفاق سلام تاريخي بين كينشاسا وكيغالي في البيت الأبيض، مما يؤكد على الترابط الوثيق بين المصالح الاقتصادية والأمنية لواشنطن في قلب إفريقيا.
شراكة اقتصادية عميقة في الأفق
يستعد وفد حكومي كونغولي رفيع المستوى، بقيادة باتريك لوابيا، المبعوث الخاص للرئيس فيليكس تشيسيكيدي، لزيارة واشنطن نهاية يوليو الجاري لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية. ومن المتوقع أن تُوقّع الاتفاقية بشكل رسمي في البيت الأبيض نهاية آب/أغسطس أو بداية أيلول/سبتمبر 2025.
تُشكل هذه الاتفاقية إطارًا رسميًا للاستثمارات الأمريكية الضخمة المرتقبة في الكونغو، مع تركيز خاص على قطاع المعادن الاستراتيجية، مثل الليثيوم والكولتان، ومشاريع البنية التحتية الكبرى. وستلعب مؤسسة التمويل التنموي الأمريكية (DFC) دور الذراع التنفيذي لهذه الشراكة، حيث ستعمل على هيكلة وتمويل المشاريع بالتعاون مع شركات أمريكية خاصة، مثل “كوبولد ميتالز” و”أمريكا فيرست غلوبال” التي تستهدف منجم الكولتان في روبايا. من المتوقع أن تشمل المباحثات إنشاء كيان استثماري خاص (SPV) لتنسيق المشاريع وتأمين التمويل اللازم.
السلام مقابل الاستقرار الاقتصادي: معادلة واشنطن الجديدة
لا ينفصل هذا التوجه الاقتصادي عن الأبعاد الأمنية؛ فالاتفاق الاقتصادي سيتزامن مع توقيع اتفاق سلام ثلاثي بين الكونغو ورواندا برعاية أمريكية، بحضور الرئيس الأمريكي ترامب، والرئيس الكونغولي تشيسيكيدي، والرئيس الرواندي كاغامي. هذه الخطوة تُعد غير مسبوقة في حل الصراع الدامي في شرق الكونغو، الذي تؤججه سيطرة حركة “إم23” على بعض المناجم الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، تجري مفاوضات منفصلة في الدوحة بين كينشاسا وحركة “إم23” بوساطة قطرية، بهدف الوصول إلى اتفاق يسبق حفل التوقيع الرسمي في البيت الأبيض. هذا التقدم يأتي بعد توقيع الأحرف الأولى للاتفاق بين وزيري خارجية الكونغو ورواندا في حزيران/يونيو الماضي، مما يشير إلى زخم دبلوماسي متزايد لحل أحد أعقد النزاعات المسلحة في إفريقيا.
سباق دولي على الموارد والنفوذ
يأتي الاهتمام الأمريكي المتزايد بالكونغو في ظل سباق عالمي محتدم على المعادن الأساسية لصناعات الطاقة والتكنولوجيا الحديثة. هذا يجعل الكونغو مركزًا تنافسيًا بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، التي تمتلك حضورًا قويًا بالفعل في قطاع التعدين الكونغولي. تدفع هذه المنافسة واشنطن إلى تسريع خططها الاستثمارية عبر أدوات مؤسساتية مثل DFC، بهدف تعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة.
من جانبها، تسعى فرنسا لاستعادة نفوذها الإقليمي المتآكل من خلال التحضير لمؤتمر إنساني يهدف إلى معالجة تداعيات الصراع في شرق الكونغو، ومحاولة تحقيق توازن دبلوماسي في ظل الحضور الأمريكي المتصاعد.
رهانات كينشاسا وشرعية تشيسيكيدي
تُشير تحركات كينشاسا إلى اعتمادها على الدور الأمريكي كضامن اقتصادي وسياسي، في محاولة لتحجيم النفوذ الرواندي في شرق البلاد وتثبيت سلطة الدولة على المناجم الاستراتيجية. من خلال هذا الاتفاق، يسعى الرئيس تشيسيكيدي لتعزيز شرعيته محليًا ودوليًا، في وقت تواجه حكومته تحديات داخلية متزايدة، لاسيما في شرق البلاد الذي لا يزال خارج السيطرة الكاملة.
إن الشراكة بين كينشاسا وواشنطن تُمثل تقاطعًا فريدًا بين المصالح الاقتصادية الأمريكية في المعادن الحيوية والجهود الدبلوماسية لتحقيق الاستقرار الأمني في منطقة مضطربة. يبقى التحدي الحقيقي في قدرة الأطراف على ترجمة هذه الاتفاقيات إلى سلام دائم وتنمية مستدامة يستفيد منها الشعب الكونغولي.
المصدر: بوليتكال كيز




