استثمارات إماراتية وتقنيات إسرائيلية في قطاع الصناعات العسكرية بالمغرب
في ظل تصاعد التنافس العسكري الإقليمي، وخاصة مع الجزائر، تبنّى المغرب نهجًا استراتيجيًا لتعزيز استقلاله العسكري وتوطين الصناعات الدفاعية.
وبتوجيه مباشر من الملك محمد السادس، تسعى الرباط إلى تأسيس مجمع صناعي عسكري وطني قادر على إنتاج وتصدير المعدات الدفاعية، عبر استقطاب شركات متوسطة الحجم من مختلف دول العالم، مع منحها تسهيلات ضريبية وإجرائية.
وكثّف المغرب منذ منتصف 2024 جهوده لتوسيع قطاع الصناعات الدفاعية، مستهدفًا جذب شركات متوسطة الحجم عبر حوافز ضريبية وشراكات متعددة، أبرزها مع الإمارات، الهند، تركيا، والكيان الإسرائيلي.
أحدث هذه الشركات هي مجموعة Saarem الإماراتية، التي ستبدأ تصنيع مركبات مدرعة في الدار البيضاء عام 2026، كما استأنفت الرباط مفاوضاتها مع بوينغ لتصنيع مكونات مروحيات أباتشي، ووسّعت تعاونها مع شركات إسرائيلية مثل Elbit Systems وBlueBird Aero Systems.
ويواجه المغرب تحديات في استقطاب الشركات الكبرى، لكنه يراهن على تموقعه كمركز إقليمي لإنتاج قطع الغيار والمعدات الدفاعية، مستهدفًا الأسواق الأفريقية.
التوجه الاستراتيجي
في خطابه بمناسبة تأسيس القوات المسلحة الملكية في 14 أيار/ مايو 2024، شدد الملك محمد السادس على ضرورة تعزيز السيادة الدفاعية للمملكة، ومنذ ذلك الحين، أطلقت الحكومة برامج استثمارية مرنة لتشجيع الشركات الدفاعية على إقامة مصانع داخل البلاد، خصوصًا في المنطقة الصناعية الحرة “ميدبارك” قرب مطار الدار البيضاء.
مشاريع قيد التنفيذ
أعلنت مجموعة Saarem الإماراتية، التي يرأسها تييري كاربو، عن إنشاء فرع لها في المغرب لبدء إنتاج 250 مركبة مدرعة خفيفة في السنة الأولى (2026)، بتمويل قدره 8 ملايين يورو.
وحصلت الشركة على نظام ضريبي بنسبة 7% وعقد إيجار طويل الأمد في “ميدبارك”، وقد خضعت هذه الصفقة لمراجعة اللجنة العسكرية بقيادة اللواء محمد بريّد، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، إضافة إلى ممثلين عن وزارات الصناعة والتجارة.
شركات أخرى ناشطة
بوينغ وقّعت عقد تعويض صناعي في 2023 لتصنيع مكونات مروحيات أباتشي، لكنه عُلّق لاحقًا، قبل استئناف المفاوضات مجددًا ضمن صفقة مدنية تشمل شراء 100 طائرة.
شركة Tata Advanced Systems (الهند) تعاقدت في أيلول/ سبتمبر 2024 لإنشاء وحدة لإنتاج مركبات مدرعة في برشيد.
شركة Baykar (تركيا)، أعلنت في كانون الثاني/ يناير 2025 عن إقامة مصنع لطائرات TB2 بدون طيار.
شركتا Elbit Systems و BlueBird (إسرائيل) باشرتا تحضيرات لإنشاء خطوط إنتاج للطائرات المسيّرة.
أما شركة Lockheed Martin فتجري مفاوضات لتصنيع مكونات مقاتلات F-16.
الخلفيات الإقليمية
تسعى الرباط إلى تقليص اعتمادها على الموردين التقليديين (الولايات المتحدة، فرنسا، إسرائيل) في ظل تصاعد ميزانية الجزائر الدفاعية (25 مليار دولار مقابل 13.5 مليار للمغرب عام 2025)، وتركز استراتيجيتها على الصناعات المساندة كمكونات الطائرات والآليات، مستهدفة الأسواق الأفريقية.
الشبكات والشراكات الدولية
تتميز شبكة Saarem بعلاقات واسعة، إذ ترتبط بمجموعة AAL لصيانة مروحيات Mi-17 في الشارقة، وتكتل Resource Industries المرتبط بنائب رئيس الإمارات منصور بن زايد، وشركات Sofems (فرنسا)، China Aerospace, Airborne Technologies (النمسا)، ولديها تعاون مع جيوش دول أفريقية هي الكاميرون، ونيجيريا، وأنغولا.
السعي للاكتفاء الذاتي
يؤشر توجه المغرب إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية محلية على تحوّل في العقيدة الدفاعية، من الاعتماد على الاستيراد إلى السعي للاكتفاء الذاتي الجزئي وتصدير الفائض، لا سيما نحو أفريقيا.
غير أن هذا المسار محفوف بتحديات حقيقية، منها صعوبة إقناع الشركات الكبرى بفتح مصانع في المغرب، واشتراطات نقل التكنولوجيا، والتوازن بين الشراكات الغربية والإسرائيلية والخليجية.
ورغم هذه التحديات، توفّر الرباط مناخًا استثماريًا محفّزًا، يُراهن فيه على شركات متوسطة قادرة على سدّ احتياجات القوات المسلحة الملكية بسرعة وكفاءة.
كما أنّ التنوع الجغرافي للشراكات – من أبوظبي إلى نيودلهي وأنقرة – يعكس حرص المغرب على عدم الارتهان لقوة واحدة، ويفتح أمامه أبوابًا أوسع لتموضعه كمركز صناعي دفاعي في أفريقيا.
المصدر: بوليتكال كيز




