صراع النفوذ الفضائي: شركات الاستشارات العالمية تتنافس على عقود الخليج
يشهد قطاع الفضاء في منطقة الخليج العربي تحولات استراتيجية كبرى، ما أثار تنافسًا محتدمًا بين شركات الاستشارات العالمية والمحلية للفوز بعقود تصميم وتنفيذ الخطط الوطنية الفضائية. يأتي هذا التنافس في ظل تراجع الاهتمام بالمشاريع طويلة الأمد، لصالح مبادرات أكثر واقعية وتركيزًا على تنفيذ مشاريع صغيرة ضمن خطط اقتصادية متدرجة.
تحالفات غير مسبوقة في وجه التباطؤ
تسعى شركات استشارية عملاقة مثل بوسطن كونسلتينج جروب (BCG) ونوفاسبيس إلى تعزيز نفوذها في قطاع الفضاء الخليجي، خاصة في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان. بعد سنوات من التنافس الشرس، ظهرت مؤخرًا بوادر شراكة غير متوقعة بين الشركتين، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تواجهه الشركات الغربية جرّاء تباطؤ المشاريع الاستراتيجية في الخليج.
أبرز هذه التطورات تمثل في إصدار تقرير مشترك بعنوان “الحكومات في الفضاء” بين الشركتين، مما يشير إلى تقارب غير مسبوق بعد فترة ركود شهدت تسليم مشاريع كبرى مثل الاستراتيجية الوطنية للفضاء في السعودية وعُمان.
السعودية: صراعات داخلية تؤجل طموحات الفضاء
في المملكة العربية السعودية، تداخلت الاستشارات مع صراعات النفوذ بين الهيئات الحكومية، ما أدى إلى تأجيل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للفضاء. فعلى سبيل المثال، فازت “نوفاسبيس” في أوائل عام 2023 بتفويض من هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية (CST) لإجراء دراسة سوقية. ومع ذلك، ذهب عقد تطوير الاستراتيجية الكبرى لاحقًا إلى “بوسطن كونسلتينج”، التي أعدت التقرير لصالح وزير الاتصالات عبدالله السواحه. لكن الخلافات البينية داخل المؤسسات السعودية حالت دون نشر الوثيقة في مؤتمر تقني كان مقررًا في مارس 2024، مما أدى إلى تعليق المشروع برمته.
في ظل هذا الجمود الرسمي، بدأ قطاع الفضاء السعودي يتشكل حول كيان شبه مستقل هو “نيو سبيس”، التابع لصندوق الاستثمارات العامة، والذي يركز على المشاريع التجارية مثل الاتصالات الفضائية والتصوير الجغرافي.
عُمان: تحول نحو الخبرات المحلية
في سلطنة عُمان، فازت “نوفاسبيس” عام 2022 بعقد الاستراتيجية الوطنية للفضاء. لكن منذ ذلك الحين، قلصت وزارة النقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات اعتمادها على الاستشارات الغربية. المستشار المحلي الرئيسي الآن هو شركة ACT، التي أسسها عمر الإسماعيلي، ويقود مشاريعها الفضائية كونور ماكشاري، وهو دبلوماسي بريطاني سابق، مما يعكس توجهًا نحو تمكين الشركات المحلية.
تحول عالمي نحو الخدمات التجارية الفضائية
تتجه الاستثمارات في قطاع الفضاء إقليميًا وعالميًا نحو الخدمات التجارية، لا سيما الأقمار الصناعية، ما يعكس تحولًا عالميًا في أولويات التمويل الفضائي. يشير تقرير “بوسطن كونسلتينج” و”نوفاسبيس” المشترك إلى أن إجمالي الإنفاق العام والخاص في قطاع الفضاء سيقفز من 596 مليار دولار في عام 2024 إلى 944 مليار دولار في عام 2033، مع توقع أن تتركز الزيادة في الخدمات التجارية كالاتصالات بالأقمار الصناعية ومراقبة الأرض.
دلالات استراتيجية واقتصادية
يكشف المسار الحالي لتطور قطاع الفضاء في الخليج عن مجموعة من الحقائق الأمنية والاقتصادية المتشابكة:
• ضغط على الشركات الغربية: يعكس التعاون المفاجئ بين شركتين متنافستين مثل BCG ونوفاسبيس حجم الضغط الذي تواجهه الشركات الغربية نتيجة تباطؤ المشاريع الحكومية في الخليج.
• هشاشة البنية المؤسسية: تُبرز الصراعات الداخلية بين المؤسسات الحكومية، خصوصًا في السعودية، هشاشة البنية المؤسسية في إدارة قطاع يتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.
• تكيّف الطموحات مع الواقع الاقتصادي: يُظهر التحول في الإنفاق من الاستراتيجيات الكبرى إلى الخدمات الفضائية التجارية أن دول الخليج بدأت تكيّف طموحاتها الفضائية مع المعايير الاقتصادية والتنافسية الجديدة، خاصة مع تصاعد المنافسة الدولية في مجال الأقمار الصناعية.
• بروز الشركات المحلية: إن بروز شركات محلية مثل ACT هو مؤشر على توجه بعض الحكومات الخليجية لتقليل الاعتماد على الاستشارات الأجنبية.
إن التنافس القائم لا يقتصر على العقود التنفيذية، بل هو صراع على النفوذ الاستراتيجي في قطاع يُعد من ركائز الاقتصاد المستقبلي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، والمراقبة الجغرافية، والأمن السيبراني. وعليه، فإن تأخر الاستراتيجيات الوطنية أو تعليقها قد ينعكس سلبًا على جاهزية دول الخليج للدخول في الاقتصاد الفضائي العالمي بشكل فعّال.
المصدر: بوليتكال كيز




