شؤون تحليلية عربية

وسط اضطرابات مع الجزائر.. مالي تدعم مبادرة الحكم الذاتي للصحراء المغربية

أعلن وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب دعم بلاده لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية، في خطوة عكست تحولًا واضحًا في الموقف المالي من هذا الملف.

وتضمن الموقف المالي أيضًا سحب الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، بما يشير إلى انتقال باماكو من موقع أقرب إلى التحفظ إلى موقع أكثر انسجامًا مع الطرح المغربي بشأن تسوية النزاع.

وتقوم المبادرة المغربية على منح الصحراء صلاحيات محلية واسعة من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية ينتخبها السكان، مع احتفاظ الرباط بالاختصاصات السيادية المرتبطة بالدفاع والخارجية والشؤون الدينية.

في المقابل، تواصل جبهة البوليساريو التمسك بخيار الاستفتاء المؤدي إلى تقرير المصير والاستقلال.

السياق الإقليمي والدولي

جاء الموقف المالي في سياق إقليمي يتسم بتزايد عدد الدول الإفريقية الداعمة للمبادرة المغربية، وباتساع مؤشرات الانخراط السياسي والتمثيلي في مدن الصحراء، بما يعزز من الحضور الدبلوماسي المغربي في هذا الملف.

كما تزامن مع مناخ دولي يمنح أولوية متزايدة لخيار التسوية السياسية الواقعية على أساس الحكم الذاتي، في ظل استمرار تعثر مسار الاستفتاء منذ عقود.

يتزامن هذا التطور كذلك مع تصاعد التوتر بين مالي والجزائر، على خلفية حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود المشتركة، حيث اعتبرت باماكو الحادث عملًا عدائيًا استهدف عرقلة عملياتها العسكرية، بينما بررت الجزائر الإجراء بوقوع اختراق لمجالها الجوي.

وقد عمّقت هذه الحادثة أزمة الثقة بين الطرفين، ورفعت مستوى الحساسية السياسية والأمنية في العلاقة الثنائية.

وفي سياق موازٍ، أبدت مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، دعمها للمبادرة المغربية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، وهو ما أضفى على التقارب بين الرباط وباماكو بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا إضافيًا يتجاوز الجانب السياسي المرتبط بملف الصحراء.

الدلالات

يعكس دعم مالي للمبادرة المغربية إعادة تموضع سياسي وأمني داخل الفضاء المغاربي والساحلي، ويؤشر إلى أن باماكو باتت تربط موقفها من قضية الصحراء بحسابات أوسع تتصل بالشراكات والتحالفات والممرات الاقتصادية وموازين النفوذ في المنطقة.

ويظهر هذا التحول أن الملف لم يعد بالنسبة إلى مالي قضية دبلوماسية منفصلة، بل جزءًا من تصور أشمل لمصالحها الإقليمية.

على مستوى المنطقة عمومًا، من المرجح أن يسهم هذا التطور في تعزيز الحضور المغربي داخل الساحل وغرب إفريقيا، ويدعم توجه الرباط نحو تثبيت نفسها كفاعل سياسي واقتصادي وأمني متقدم في هذه الساحة.

وفي المقابل، قد يضيف ذلك عنصر ضغط على الجزائر، التي تنظر إلى ملف الصحراء بوصفه أحد مفاتيح توازنها الإقليمي، ما يفتح المجال أمام مزيد من التنافس غير المباشر بين الطرفين داخل فضاء الساحل.

أما على مستوى العلاقة بين المغرب ومالي، فمن المتوقع أن يدفع هذا التقارب نحو توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي، وربما الأمني، خاصة في ظل حاجة مالي إلى شركاء إقليميين يوفرون لها هامش حركة أوسع في ظل الضغوط المحيطة بها.

كما يمنح هذا المسار المغرب فرصة لتعزيز شرعية مبادرته داخل العمق الإفريقي، وربط الدعم السياسي بمصالح عملية تتعلق بالوصول البحري والتبادل التجاري والتموضع الاستراتيجي.

وفي المقابل، فإن العلاقة بين الجزائر ومالي مرشحة لمزيد من التوتر الحذر، لأن الموقف المالي الجديد لا يقتصر على تأييد المغرب، بل يأتي أيضًا في بيئة يسودها تراجع الثقة بين باماكو والجزائر.

ومن شأن استمرار هذا المسار أن يفاقم البرود السياسي بين الطرفين، ويزيد من حساسية الملفات الحدودية والأمنية، خصوصًا إذا استمرت الجزائر في النظر إلى التموضع المالي الجديد باعتباره اصطفافًا مضادًا لمصالحها الإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى