مقاربة أمريكية جديدة لتوحيد السلطة في ليبيا
تتبلور في الكواليس السياسية مبادرة أمريكية جديدة لإعادة تشكيل السلطة في ليبيا تقوم على إنشاء حكومة موحدة تضم القوى الحاكمة في شرق وغرب البلاد دون اللجوء إلى انتخابات.
ويقود هذه المبادرة مسعد بولس، الذي يعمل على بلورة اتفاق سياسي يسمح لكل من معسكر عبد الحميد الدبيبة في الغرب، ومعسكر خليفة حفتر في الشرق، بالبقاء في السلطة ضمن حكومة مشتركة يتم الاعتراف بها دولياً.
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات الجارية تركز على توزيع المناصب الرئيسية داخل الحكومة الجديدة بين الطرفين، حيث شارك في المباحثات إبراهيم الدبيبة ممثلاً عن معسكر طرابلس، وصدام حفتر ممثلاً عن معسكر الشرق.
وقد عُقدت ثلاث جولات من هذه المفاوضات في أبوظبي وروما وباريس، وسط توقعات بإعلان حكومة موحدة خلال شهر أبريل المقبل.
وبحسب التصور الأمريكي المطروح، فإن هذه الحكومة الموحدة لن تكون مرتبطة بجدول زمني لإجراء انتخابات، وهو ما يمثل تحولاً واضحاً عن المسار السياسي الذي كان يعتمد على تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية لإنهاء المرحلة الانتقالية في البلاد.
وقد ظهرت ملامح هذا التوجه خلال جلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 18 فبراير، حيث جرى طرح فكرة تجاوز المواعيد الانتخابية والتركيز بدلاً من ذلك على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة البلاد.
وفي هذا السياق، كشفت منصة The Geopolitical Desk أن بولس عمل على هامش اجتماعات مجلس الأمن على الدفع باتجاه حذف أي إشارات إلى المواعيد الانتخابية من مداولات المجلس.
كما ألقى آرتشي يونغ كلمة خلال الجلسة ركز فيها على ضرورة إنهاء حالة الانقسام السياسي في ليبيا، مشيراً إلى أن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار وأن الليبيين ينتظرون منذ فترة طويلة قيام سلطة موحدة.
مسار الأمم المتحدة
تتعارض هذه المقاربة مع المسار الذي تعمل عليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) بقيادة هانا تيتيه، والتي تسعى منذ أشهر إلى تنفيذ خارطة طريق تقود إلى انتخابات عامة.
إلا أن هذا المسار يواجه صعوبات كبيرة بسبب الانقسام السياسي الحاد داخل المؤسسات الليبية، إضافة إلى محدودية أدوات الضغط المتاحة للبعثة الأممية، إذ لم ينجح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حتى الآن في فرض عقوبات على الأطراف التي تعرقل العملية السياسية.
وفي محاولة لكسر الجمود، سعت البعثة الأممية إلى إطلاق حوار منظم مع منظمات المجتمع المدني حول قضايا الاقتصاد والحكم والأمن والوحدة الوطنية وحقوق الإنسان، كما طلبت من مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة مراجعة القوانين الانتخابية.
غير أن لجنة “6+6” المشتركة بين المجلسين، المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية، لم تتمكن حتى الآن من تحقيق توافق يسمح بإطلاق العملية الانتخابية.
الدلالات
المبادرة الأمريكية تعكس تحوّلاً من مسار الشرعية الانتخابية إلى مسار الاستقرار السياسي عبر تقاسم السلطة بين القوى المسيطرة فعلياً على الأرض.
الرهان على حكومة توافقية دون انتخابات قد يحقق استقراراً مؤقتاً لكنه يحمل مخاطر ترسيخ الانقسام السياسي وتحويله إلى نظام تقاسم نفوذ دائم.
التباين بين المقاربة الأمريكية وخطة الأمم المتحدة يكشف تراجع تأثير المسار الأممي التقليدي في إدارة الأزمات المعقدة لصالح ترتيبات سياسية تقودها القوى الكبرى بشكل مباشر.




